الكاتب : داود عبد الكريم داود
في عالم تسوده الضوضاء الدبلوماسية والخطابات العلنية، تبرز المملكة المغربية بنموذج دبلوماسي فريد يقوم على مبدأ "القول القليل والفعل الكبير". هذه الدبلوماسية الهادئة ولكنها فعالة؛ مكّنت المملكة من تحقيق مكاسب استراتيجية وتعزيز مكانتها الدولية رغم التحديات الإقليمية والعالمية المتعددة.
جاءت كتابة هذا المقال على هامش استضافة المعهد المغربي للتكوين والأبحاث والدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، لثُلَّة من موظفي وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينيين، بغية تدريبهم ضمن برنامج تحت عنوان "البرنامج التدريبي لفائدة الدبلوماسيين الفلسطينيين" من 8 إلى 19 ديسمبر/كانون الأول الجاري في العاصمة المغربية الرباط .
احتوى البرنامج على مجموعة من المواد التدريبية من ضمنها: تقنيات التواصل الدبلوماسي، وتقنيات التفاوض، وتطبيق القانون الدولي، والمراسم والتشريفات والأساليب الحديثة في عالم البروتوكول الدبلوماسي، والدبلوماسية العامة واستراتيجيات القوة الناعمة، وإدارة الأزمات، والأمن الدبلوماسي. قدّم هذه الموضوعات نخبة من السفراء المخضرمين والعاملين في السلك الدبلوماسي المغربي، وكذلك خبراء وأكاديميين وجنرالات مغاربة.
وهذه الاستضافة عكست قوة العمق العربي للقضية الفلسطينية، ومدى الاهتمام وتبنّي القضية الفلسطينية من قبل العاهل المغربي الملك محمد السادس وحكومته وشعب المغرب المعطاء، مما عكس أيضاً حكمة الموقف الفلسطيني الذي ينتهجه الرئيس محمود عباس في التعامل مع القضايا العربية التي تشكل عمقاً للقضية الفلسطينية.
وأن كتابة هذا المقال أقل ما يمكن أن أقدمه كفلسطيني شارك في هذا البرنامج، للمملكة المغربية على كرم الضيافة وحسن الاستقبال الكبير الذي لا يمكن وصفه بالمعنى الحقيقي وإنما بالشكل الواقعي المُعاش. وقد كان لنا شرف حين اصطحبنا المعهد في جولة على بعض المرافق والمؤسسات المغربية، ومشاهدة مدى التطور والصعود الكبير في كافة المناحي الحياتية. حيث يمثل "الصمت" في المصطلح الدبلوماسي المغربي ليس انسحاباً أو ضعفاً، بل مساحة للتخطيط والتوقيت المناسب واختيار المعارك.
تجسّدت مظاهر الفعل الكبير في السياسة الخارجية المغربية عبر الشراكات الاستراتيجية المتعددة الأبعاد؛ إذ نجح المغرب في بناء تحالفات متوازنة مع مختلف القوى العالمية دون الانحياز الكامل لأي منها، مع أوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة والعالم العربي. كما تحوّل المغرب إلى قطب اقتصادي إقليمي من خلال تطوير البنية التحتية من موانئ كبرى (كطنجة المتوسط)، وشبكات طرقية وسككية متطورة، وكذلك المشاريع العملاقة في الطاقة الشمسية والريحية والصناعية، لتصبح مركزاً لصناعة السيارات والأدوية في أفريقيا. كما أصبح المغرب شريكاً أمنياً معتمداً لدى العديد من الدول في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف، والتدريب الأمني والعسكري، وإدارة الهجرة والحدود، والاستخبارات ومكافحة الجريمة المنظمة.
ولم تكتفِ المغرب بتطوير البنية التحتية فقط، بل توسعت دبلوماسيتها لتعزيز تواجدها في أفريقيا جنوب الصحراء ، وتطوير الشراكات الاقتصادية مع آسيا وأمريكا اللاتينية، وترسيخ مكانتها كجسر بين أفريقيا والعالم . لتمثل الدبلوماسية المغربية نموذجاً لدبلوماسية الدول المتوسطة التي تستطيع تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر العمل الدؤوب والتحالفات الذكية والتوقيت المناسب، أكثر من الاعتماد على الخطابات الصاخبة. وهذا النهج القائم على "القول القليل والفعل الكبير" أثبت نجاعته في رفع مكانة المملكة المغربية دولياً، وجعلها فاعلاً لا يمكن تجاهله في المعادلات الإقليمية والدولية. في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتعقد التحالفات، ليصبح نهج دبلوماسية الصمت المغربية فلسفة عملية رائدة في العلاقات الدولية.
كما عكست البنية التحتية الحديثة في المملكة المغربية ركيزة أساسية للنموذج التنموي الجديد، وهي تجسيد عملي للرؤية الملكية الثاقبة التي تضع المواطن في صلب الاهتمام. حيث استطاع المغرب تحويل التحديات إلى فرص، والاستفادة من موقعه الاستراتيجي لبناء بنية تحتية متكاملة تخدم أهداف التنمية المستدامة.
وهذا المسار التنموي لم يكن ممكناً لولا الاستقرار السياسي، والحكامة الجيدة، والإرادة الملكية القوية، والمشاركة الواسعة للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
إن تطور البنية التحتية في المغرب ليس مجرد مشاريع مادية، بل هو قصة نجاح وطنية، وشاهد على قدرة المملكة على الابتكار والتكيف مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على هويتها وثوابتها.
وما سمعناه وشاهدْناه من خطط مستقبلية تُعد بمشاريع أكثر طموحاً، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والمدن الذكية، والطاقات النظيفة، والنقل المستدام، مما يؤهل المغرب ليس فقط لمواكبة التطور العالمي، بل للمساهمة في صياغة مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً للمنطقة والعالم.
شكراً للمملكة المغربية ملكاً وحكومةً وشعباً، على ما عكسته من عراقة وكرامة واهتمام بالقضية الفلسطينية وقيادتها وحكومتها ومؤسساتها وشعبها. ولكم منا دائماً بالمثل، حباً ومودةً وحَبْلَ وَصَالٍ لا ينقطع.



