الكاتبة: الدكتورة تهاني اللوزي
«في القدس، لا تُقاس العلاقة الإسلامية المسيحية بالتسامح وحده، بل بالشراكة في الدفاع عن الأرض والمقدسات، وبوحدة الموقف في مواجهة سياسات الاقتلاع والتهويد، حيث يشكّل المسلم والمسيحي معًا جبهة واحدة لحماية هوية المدينة وكرامتها.»
تُعدّ القدس أكثر من مجرد عاصمة روحية أو موقع مقدس للديانات السماوية؛ فهي ساحة سياسية واجتماعية مفتوحة تختبر يوميًا معنى الشراكة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين. علاقة لم تُبنَ على المجاملات أو التعايش الشكلي، بل على تاريخ طويل من التأخي والصمود المشترك في مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تهويد المدينة وطمس هويتها العربية الإسلامية المسيحية عبر استهداف معالمها التاريخية ومقدساتها.
وتشير التقديرات السكانية إلى أن عدد سكان البلدة القديمة داخل أسوار القدس يُقدَّر بنحو 35,000 نسمة تقريبًا، يشكّل المسلمون الغالبية الساحقة منهم، بما يتراوح بين 25,000 و27,500 نسمة، أي ما يقارب 70%–77% من إجمالي السكان. في المقابل، يُقدَّر عدد المسيحيين بنحو 4,000–4,300 نسمة (حوالي 11%–12%)، إضافة إلى الأرمن المسيحيين الذين يتراوح عددهم بين 2,000 و2,200 نسمة (نحو 6%)، فيما يُقدَّر عدد اليهود المقيمين داخل البلدة القديمة بنحو 3,000–3,500 نسمة (حوالي 8%–10%). وتعكس هذه الأرقام حقيقة ديموغرافية راسخة تؤكد أن الطابع العربي الإسلامي المسيحي للقدس ما زال قائمًا، رغم محاولات التهويد والأسرلة المتواصلة على مدار الساعة.
وتحتضن البلدة القديمة ومحيطها نحو 50 كنيسة وديرًا تعود لمختلف الطوائف المسيحية، من بينها كنيسة القيامة، وكنيسة القديسة حنّة، وكنيسة المخلّص، وكنيسة دير الجلد، وكنيسة مار يعقوب الأرمنية، وكنيسة مار مرقس للسريان الأرثوذكس، وغيرها من الكنائس التاريخية التي تشكّل شاهدًا حيًا على عمق الوجود المسيحي في القدس. وفي المقابل، تضم البلدة القديمة نحو 37 مسجدًا، بالإضافة ل7 مساجد داخل ساحات المسجد الأقصى أحد أهم المقدسات الإسلامية في العالم، إلى جانب عشرات المساجد والزوايا التاريخية.
هذا التداخل المكاني والروحي بين الكنائس والمساجد لم يكن يومًا مصدر صراع بين أبناء المدينة، بل شكّل أساسًا لوحدة الموقف والوعي الوطني، حيث يدرك المقدسيون أن استهداف أي مقدس ديني، إسلاميًا كان أم مسيحيًا، هو استهداف مباشر لهوية القدس ككل. وعليه، لم يكن الدفاع عن الكنائس شأنًا مسيحيًا فحسب، كما لم يكن الدفاع عن المسجد الأقصى شأنًا إسلاميًا فقط، بل أصبح مسؤولية وطنية جامعة لكافة أبناء البلدة القديمة.
وتبرز هذه الشراكة بوضوح خلال المواسم الدينية، كعيد الميلاد المجيد، وعيد الفصح، وشهر رمضان المبارك، وعيدي الفطر والأضحى، حيث تتجسّد العلاقة من خلال المشاركة المتبادلة في المناسبات الدينية والاجتماعية، دون تمييز بين أبناء البلدة. كما تتوحّد المواقف في مواجهة القيود الإسرائيلية المفروضة على حرية العبادة والتنقّل، خاصة داخل البلدة القديمة. فالتبادل في التهاني، والمشاركة في الفعاليات، والدعم المتبادل في أوقات الأزمات وحتى في لحظات الفقد، كلها ممارسات يومية تعكس عمق العلاقة الإسلامية المسيحية، لا بوصفها علاقة دينية فقط، بل جسدًا واحدًا في مواجهة الاستهداف المشترك.
ويعمل الاحتلال الإسرائيلي، عبر سياسات الإغلاق، وفرض الضرائب الباهظة، ومصادرة الأملاك، والاستيلاء على العقارات الوقفية الإسلامية والمسيحية، على إفراغ البلدة القديمة من سكانها الأصليين، دون تمييز بين مسلم ومسيحي. غير أن هذا الاستهداف الموحد أسهم في تعزيز التماسك الداخلي، وحوّل العلاقة الإسلامية المسيحية إلى قوة سياسية واجتماعية حقيقية في الدفاع عن القدس.
اليوم، تتجسّد صورة القدس في مشهد الهلال والصليب، والأذان المتجاور مع قرع الأجراس، لا بوصفه رمزًا دينيًا فحسب، بل تعبيرًا سياسيًا واضحًا عن وحدة المصير. فالمسلم يدافع عن الكنيسة كما يدافع عن الأقصى، والمسيحي يقف إلى جانب المسجد كما يقف إلى جانب كنيسته، إيمانًا بأن القدس بوصلتهم، ومن كانت القدس بوصلته، كانت الكرامة طريقه.
وفي ظل التحديات الراهنة، تبقى العلاقة الإسلامية المسيحية في القدس خط الدفاع الأول عن المدينة وهويتها، ونموذجًا وطنيًا حيًا يثبت أن الوحدة القائمة على الشراكة والعدالة قادرة على مواجهة سياسات التهويد والاستيطان، والحفاظ على القدس مدينةً عربيةً جامعةً لكل أبنائها.



