الكاتب : أحمد دخيل
في زوايا الخيام الممزقة، تحت صفير الرياح التي تحمل رائحة البحر والألم، تتدلى أرواح صغيرة كقطرات ندى على أشواك التاريخ. البرد فيها لا يعني انخفاض في الدرجات فحسب، هو اختراقٌ لعظام الأحلام، تجمدٌ لضحكات لم تكتمل، صقيعٌ يغتال دفء الحضنات الأخيرة. وفي مدينة غزة، حيث الحكايات تُولد وتُدفن مع شروق الشمس نفسه، رحلت رهف ابو جزر التي تبلغ من العمر تسع شتاءات وحصار.
غادرت بصمتٍ أجبرته القسوة. رحلت لأن العالم قرر أن يُسلّط عليها رياحاً أقسى من حصار الأرض، وأقسى من صمت السماء.
هل تعتبر هذه الطفلة رقماً. أم أنها ضحكة ذابت قبل أن تسمعها أمها. هي عينان شاهدتان على ظلمٍ لا يقرّه إنسان. هي حكاية غزة التي تُروى دائماً بدم بارد. البرد القارس الذي يقتل هنا هو ذاته الحصار الذي يخنق، هو القنابل التي تمزق، هو الصمت الدولي الذي يراقب. هو قرارٌ متعمدٌ بجعل الحياة مستحيلة، حتى الموت يصبح تحدياً.
ووراء هذا المشهد، تقف أمريكا، الراعية المفترضة لاتفاق وقف إطلاق النار، تراقب ببرودة الموت الذي يتنقل بين الخيام.
ترعى اتفاقاً يتحول إلى حبر على ورق بينما يتحول الأطفال إلى أرقام في سجلات الموتى. والاحتلال، بآلته الباردة، يتابع حصاره متخفياً خلف دبلوماسية زائفة، ممتدّاً كظلّ قاتم على كل بيت، كل طفل، كل نفس.
إن مسؤولية ما يجري في القطاع تقع بالكامل على عاتق من صنع الجحيم ثم تظاهر بأنه يحمل مروحة. على عاتق من يملك الدفء ويختزنه خلف الأسلاك الشائكة. الشتاء في غزة لا يشبه أي شتاء آخر ، إنه شتاء بمخالب يفترس ضحاياه الجوعى، سلاحٌ آخر في ترسانة القتل البطيء.
غزة تصرخ، لكن صرختها تتجمد في الهواء قبل أن تصل. أطفالها يموتون، بسبب القلوب التي تستطيع إنقاذهم لكنها تعمدت القسوة، هي أقسى من هذا المطر.
في الليل، حين يهبط الصقيع، يبدو كما لو أن النجوم نفسها ترفض الإشراق على مشهدٍ لا تتحمله السماوات.
متى ندرك أن البرد الذي يقتل أطفال غزة هو ذاته الذي يجمد ضمير العالم؟ متى نعترف بأن الصمت جريمة، وأن الحيادية في وجه الظلم خيانة؟
غزة تنتظر دفئاً لن يأتي إلا بالإنصاف. لأطفالها الذين يموتون وهم يحلمون بكرامةٍ تذوب معها كل ثلوج الأرض، في ظل الجليد الذي يكسو الضمائر.
فاتني أن أعزي أسرة أبو جزر ووجه فلسطين الكروي الجميل إيهاب، الذي رسم ومنتخبنا الوطني فرحة مؤقتة جالت علينا في الشتات، وعلى مدننا وقرانا في الضفة والقدس، وعلى خيامنا في غزة.



