الكاتبة : الدكتورة سناء محمد حسين شحادة
في كل زاوية من مدننا وقرانا، يبدو أن شيئًا ما ينهار بصمت.
القيم التي تربينا عليها، المبادئ التي علمناها، وحتى الاحترام بين الناس… تتلاشى أمام أعيننا.
نقف متسائلين: لماذا وصلت مجتمعاتنا إلى هذا الواقع؟
هل هو صراع بين الماضي والحاضر؟ أم أن موجة الانشغال، الأنانية، والطموحات الفارغة قلبت المعايير رأسًا على عقب؟
القيم هي الأعمدة التي تبني المجتمعات، والأخلاق هي اللبنة التي تجعلها صامدة.
عندما يُهمش الصدق، وينتشر الخداع، وتصبح المصالح الشخصية فوق كل اعتبار، يبدأ المجتمع بالتراجع تدريجيًا.
الشباب الذين نشأوا بلا قدوة، والكبار الذين فقدوا المبادئ، يصبحون محركًا لانحدار أخلاقي لا يظهر فجأة، بل يتسرب بخفة كالسم في الماء.
لم تعد وسائل الإعلام مجرد وسيلة لنقل المعرفة… أصبحت مصدرًا للتقليد السلبي، والانغماس في السطحية، وترويج القيم المغلوطة.
في عالم يختصر كل شيء في اللايفات والمنشورات، يفقد الناس عمق التفكير والتأمل والقدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ.
هنا تظهر فجوة بين الممارسة والقيم، بين الكلمة والفعل، وبين ما يجب أن نكونه وما نصبحه فعليًا.
المجتمع الذي لا يغرس في أفراده المبادئ، الانتماء، والمسؤولية الاجتماعية، يحصد التراجع لاحقًا.
المدرسة، الأسرة، والمؤسسات… كلها أماكن يجب أن تكون منارات للقيم، لا مجرد ممرات للتسلية أو الشهادات.
حين يغيب الوعي والتربية الصحيحة، يولد مجتمع يبحث عن المكسب السريع، ويستهلك دون أن يعطي، ويأخذ دون أن يقدر.
في عالم اليوم، أصبح كل واحد يغلق قلبه على نفسه، وينشغل بما يملك وما يطمح له، دون النظر للآخرين.
المجتمع يُبنى على الترابط والرحمة والتعاون، لكن الفردية المفرطة تجعل الألم الجماعي بلا قيمة، والانتماء الاجتماعي مجرد كلمة جوفاء.
هنا يبدأ التراجع … حين تصبح كل علاقة قائمة على المصالح، لا على القيم أو الحب أو التضامن.
تلاشي القيم في المجتمع ليس حادثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات: غياب المبادئ، ضعف التربية، التأثر السلبي بالإعلام، وانشغال الفرد بنفسه.
الحل؟ العودة إلى المبادئ، غرس الأخلاق في الصغار، وتحريك القلوب نحو الصدق، الرحمة، والانتماء.
لا يمكننا أن نتجاهل الواقع، لكن يمكننا أن نبدأ نحن، خطوة خطوة، في بناء مجتمع يستحق أن نعيش فيه.
*باحثة في سلك الدكتوراه
*أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية



