الكاتب : إياد أبو روك
الهجرة بالنسبة لكثيرين تبدو كأنها الحل الذي يفتح كل الابواب وكأن الانتقال الى اوروبا كاف ليغير حياة الانسان بالكامل ... يسمع الناس القصص والروايات عن دول تحترم الانسان وتوفر الديمقراطية والامان والاستقرار فيعتقد البعض ان الوصول الى هذه البلاد هو الوصول الى الجنة على الارض لكن الحقيقة مختلفة تماما فالهجرة ليست رحلة سهلة وليست وعدا بالسعادة بل هي بداية مرحلة جديدة تحتاج الى ارادة قوية وصبر وفهم عميقين لطبيعة الحياة في المكان الجديد .
من يترك وطنه عليه ان يدرك ان المسألة ليست مجرد تغيير مكان بل تغيير افكار ايضا ، فلا يكفي ان تنتقل بجسدك بينما تبقى افكارك وعاداتك محصورة في البيئة القديمة . اوروبا لها فلسفتها الخاصة لها منظومة قيم مختلفة لها مجتمع مبني على احترام القانون . الفردية المسؤولة حرية التفكير والمساواة هذه المبادئ ليست شعارات تقال بل هي ادوات يستخدمها المجتمع لحماية نفسه وفي المقابل كثير من العادات والتقاليد التي نحملها من الشرق الاوسط هي عادات ارهقتنا نحن قبل ان ترهق المجتمعات التي ندخل اليها بعضها جميل ويحمل قيما انسانية لكن بعضها الاخر يصطدم مباشرة بالقوانين الاوروبية وبطبيعة الحياة فيها ولذلك فان الهجرة الحقيقية ليست فقط في السفر الى بلد جديد بل في القدرة على اعادة تشكيل طريقة التفكير .
الانسان الذي يهاجر يحتاج ان يعيد تقييم آرائه وممارساته وان يتخلى عن بعض السلوكيات التي لا تنسجم مع المجتمع الجديد . اوروبا ليست مكانا يتكيف معنا نحن من يجب ان نتكيف معها ونحترم نظامها وقوانينها وهذه الحقيقة يغفل عنها الكثيرون ممن يأتون ثم يعيشون صراعا داخليا مستمرا لانهم لم يغيروا شيئا من افكارهم ولم يفتحوا الباب امام انفسهم ليندمجوا بشكل صحيح . وخلال السنوات الاخيرة شهدت دول اوروبية تغييرات خطيرة بسبب فئات من المهاجرين قررت ان تستغل الديمقراطية والحرية بشكل خاطئ واستخدمت الحقوق التي منحتها لها هذه الدول لتنفيذ اعمال تتعارض مع القيم الاوروبية نفسها . فبدلا من احترام القانون حاول البعض الالتفاف عليه وبدلا من احترام النظام عملوا على خلق فوضى . وفي دول مثل السويد اليوم بات هذا الامر تحديا كبيرا اذ ظهرت مجموعات تستغل المناخ السلمي لتأسيس شبكات تشبه المافيات وتعمل على تدمير المجتمع من الداخل وكأنهم يريدون ان ينقلوا الفوضى التي هربوا منها الى البلد الجديد الذي احتضنهم . هذه الفئة لم تسيء الى نفسها فقط بل اساءت الى ملايين المهاجرين الذين يعملون بجد ويحترمون القانون ويسعون لبناء حياة جديدة بكرامة .
لقد اثرت هذه التصرفات على صورة المهاجرين وعلى ثقة المجتمع الاوروبي ودَفعت الحكومات الى تشديد القوانين وكل ذلك لان بعض الناس لم يفهموا ان الحرية مسؤولية وان الديمقراطية ليست بابا مفتوحا للتجاوز بل عقدا اجتماعيا يحمينا جميعا .
الهجرة مشروع كبير يبدأ من الداخل قبل الخارج ... تبدأ حين يقرر الانسان ان يغير نظرته للحياة وان يتعامل مع المجتمع الجديد باحترام وان يتعلم لغته وان يفهم فلسفته وان يترك خلفه العادات التي لم تعد تصلح ومن لم يستطع بناء نفسه في وطنه غالبا لن يستطيع ان يبنيها في وطن آخر لان المشكلة ليست في المكان بل في القدرة على التغيير .
اوروبا لن تمنح النجاح لمن ينتظر ولن تساعد من يرفض ان يساعد نفسه .. النجاح هنا يحتاج الى شجاعة في مواجهة الذات والى استعداد لتعديل الافكار والسلوكيات والى تقبل حقيقة ان الاندماج يحتاج جهدا فكريا وثقافيا واخلاقيا وليس فقط جهدا عمليا .
الهجرة ليست هروبا من بلد بل دخولا الى مشروع حياة آخر ... مشروع يحتاج الى وعي ومسؤولية والتزام وعند نهاية هذا الطريق سوف يدرك الانسان ان الحياة هنا لا تعطي جوائز مجانية لكنها تعطي فرصة حقيقية لمن يستحقها لمن يعمل على نفسه ولمن يعيد بناء ذاته بكل صدق وصبر . وهكذا فقط يمكن للمهاجر ان يصنع لنفسه حياة جديدة تستحق ان تعاش وبعد هذا كله يبقى الانسان هو محور القصة كلها فهو وحده من يملك القدرة على تحديد مصيره وعلى رسم افكاره الجديدة وعلى اختيار الطريق الذي يريد ان يسلكه .
لا احد يستطيع ان يغير حياته اذا لم يبدأ التغيير من داخله .. من يملك الشجاعة ليعيد النظر في افكاره وليواجه نفسه وليعمل بجد وصبر هو وحده القادر على خلق مستقبل مختلف فالمصير ليس صدفة بل قرار والافكار ليست قدرا بل خيار والنجاح لا يأتي من مكان يعيش فيه الانسان بل من الانسان الذي يقرر ان يعيش بطريقة افضل وان يبني نفسه مهما كانت التحديات .



