الكاتب : محمد زهدي شاهين
يتساءل الكثيرون حول النهج والسلوك الهمجي للاحتلال الذي يمارسه الجيش الاسرائيلي وقطعان المستوطنين في فلسطين المحتلة خاصة بعد السابع من تشرين أول ٢٠٢٣م، فهل هذا الأمر نابع من تهديد وخوف وخطر وجودي كما جاء على لسان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في اكثر من خطاب له أم هو مجرد ذريعة وغطاء من اجل تمرير أمر وغاية ما؟ ونتساءل هنا من يهدد من! فهل الاحتلال هو من يهدد الوجود الفلسطيني وشعوب المنطقة ام الأمر على العكس من ذلك؟ وهل فعلا هذا الصراع هو صراع من اجل البقاء أم لأجل التمدد والتوسع لإقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى؟
من اجل الاجابة عن هذه التساؤلات مجتمعة لا بد من عرض الحالة على علم النفس لكي نرى ماذا يقول في مثل هذا المشهد:
يقول علم النفس بأنه عندما يشعر الشخص بالخطر، فإن جسده وعقله يتفاعلان استجابة لهذا التهديد، وغالبا ما تتضمن هذه الاستجابة علامات جسدية واستجابات نفسية وسلوكية كالانسحاب وتجنب الموقف، او الذهاب الى المواجهة بشكل مباشر سمته العدوانية والهمجية، مثلما يحدث في حالات الغضب الشديد والهستيريا، وهذا ما نراه الآن وما يقوم به الاحتلال بالفعل.
ولكننا نتساءل هنا تساؤلا مشروعا، فمن يهدد من؟ فهل الفلسطينيون هم من يهددون الإسرائيليين مشكلين خطرا على وجودهم، أم أن الاحتلال هو من يهدد الفلسطينيين، وإذ نجد الاجابة هنا بأنها اجابة بديهية جلية ماثلة امامنا بكل وضوح، فالاحتلال الاسرائيلي الذي تم غرسه عنوة في فلسطين هو الذي قام باحتلال ارض ليست بأرض له، فقام باغتصابها عنوة من اصحابها وبطش بهم وقتلهم شر مقتلة وشردهم من ديارهم واخرجهم من بيوتهم وما تزال آلة البطش مستمرة لغاية يومنا هذا، لذلك نجده بأنه هو الخطر الوجودي بعينه لا على العكس من ذلك، وكما يقال فمن فمك ادينك، فهنالك اكثر من مسؤول اسرائيلي قاموا بالإفصاح عن مطامعهم ومخططاتهم في تهجير ابناء الشعب الفلسطيني، وهو الذي تم إنكار وجوده من قبلهم كشعب متجذر في ارضه، كما وأنهم افصحوا عن مطامعهم في اقامة ما يسمى بإسرائيل الكبرى، وهذا هو الحد الأعلى الذي يسعون الى تحقيقه، اما الحد الأدنى فهو اقامة دولة يهودية ما بين النهر والبحر متنكرين لاتفاقياتهم مع الجانب الفلسطيني ضاربين قرارات الشرعية الدولية بعرض الحائط، ويحاولون بكل طاقتهم ويبذلون كامل جهدهم من اجل اجهاض كل رؤية مطروحة للسلام وبتر كل يد ممدودة؛ فهم لا يسعون للسلام الحقيقي الشامل والعادل الذي يتجسد بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران. وفي مقابلة تلفزيونية منذ اكثر من أربعين عاماً مضت اجرتها محطة تلفزيونية امريكية مع بنيامين نتنياهو وهو في مقتبل العمر، سؤل في ذلك الحين عن رأيه في اقامة دولة فلسطينية ، فكان جوابه بأنه لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية على عتبة بيته!!! ويا للوقاحة...
ان ما يؤرق ويقلق الجانب الاسرائيلي بخصوص مسألة الخطر الوجودي هو خوفه الدفين والعميق لأنه يعي تماما بأنه هو المغتصب و المعتدي والغريب، و يدرك تماما بأنه لا بد من أن يأتي اليوم الذي سيشتد فيه ساعد وعود مالك الأرض الحقيقي من اجل ان يقوم بطرده مستردا حقه الذي اغتصب منه، لذلك فهو يسعى جاهدا ويعمل دون كلل أو ملل من اجل أن لا يأتي ذلك اليوم، وعلى اقل تقدير فهو يعمل جاهداً من اجل تأخير قدوم ذلك اليوم قدر المستطاع، وهذا ينسجم مع رؤيتهم الدينية التوراتية بإقامة دولة يهودية ما بين النهر والبحر.
وأحد المؤرقات الاخرى لكيان الاحتلال التي نتجت جراء عدوانه الهمجي والبربري والتي باتت تشكل هاجس له، هي حالة غضب شعوب العالم وتشويه صورة الاسرائيليين و التصدعات التي تعرض لها النظام الدولي الذي قام بصناعة وغرس الكيان في الجسد الفلسطيني مما جعله عرضة للتفكك.
صراع من اجل البقاء أم لأجل التمدد :
أما التساؤل الأهم يكمن بالبحث في حقيقة كون هذا الصراع بأنه صراع من اجل البقاء أم لأجل التمدد والتوسع؛ فنحن نرجح بأنه صراع من اجل البقاء في الدرجة الأولى، ولكن الأمر سيان في كلا الحالتين إذ يلزمان الجميع بأخذ الحيطة والحذر والتوحد والتكاتف والتعاضد.
لقد اثبتت الحرب الأخيرة ضعف الجانب الاسرائيلي وهشاشته، وكما قال المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري بأن لبقاء الاحتلال الاسرائيلي عنصران أساسيان يتمثلان في الدعم الأمريكي والغربي اللا محدود ، وفي الغياب العربي والإسلامي اللا محدود ايضا، وهذا ما قد كان فعلاً. وهذا ما يدركه الاسرائيليون بشكل جيد، لهذا يعمل الجانب الاسرائيلي وبمساعدة مباشرة من الجانب الامريكي على تفتيت وشرذمة الحالة العربية والإسلامية وتغذيتها كونها البيئة المناسبة له والتربة الخصبة التي يستطيع النمو فيها بحرية مطلقة.
من فمك ادينك :
بعيد الهجوم الذي شنته حركة حماس والفصائل الفلسطينية في السابع من تشرين أول ٢٠٢٣م خاطب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الاسرائيليين قائلا لهم بأنهم في حرب، وقال: (مواطنو اسرائيل، نحن في حرب ولسنا في عملية او جولات، ولكن في حرب). كما وتعهد بأن يرد بقوة لم يعهدها العدو من قبل، وبأن العدو سيدفع ثمنا باهظاً وغير مسبوق، وقال نحن في حرب وجودية وسوف ننتصر فيها. واطلق عليها حرب السيوف ( التي تجتز الرؤوس بالمفهوم الضمني)، وتارة سميت بأنها حرب الانبعاث أو حرب القيامة وتارة اخرى بحرب الاستقلال الثانية، وقد تم استخدام الكثير من النصوص الدينية والتاريخية، فهذا ديدنهم ترجمانا لقناعاتهم الدينية بأنهم في مهمة روحية تاريخية، فحربهم مع المنطقة حرب دينية.
نحن هنا لن نناقش في أن هجوم السابع من تشرين أول قد اعطى نتنياهو وحكومته المتطرفة الذريعة فيما قام به أو لا، ولكننا سنناقش أمرا آخر يتمثل في الاجابة عن التساؤل التالي: لماذا لم يأخذ العرب والمسلمون التصريحات الاسرائيلية على محمل الجد بأن الاسرائيليين يعتبرون أنفسهم بأنهم يخوضون حربا وجودية، وبأن تصريحاتهم تصريحات حقيقة نابعة من خوف وهاجس أرق الكيان وقض مضاجعه، فهم بهذا الشكل الزموا انفسهم بما قالت ألسنتهم، وقد كان من الاجدى بأن يتم التعاطي مع الحالة كما هي دون تفسيرات وتأويلات اخرى. ونؤكد هنا مرة اخرى بأن كلا الحالتين نتيجتهما واحدة، ان كان الخطر الوجودي حقيقيا وإن كان الأمر مجرد ذريعة فالنتيجة هي سحق وتركيع المنطقة، ونستدل هنا بما قاله دونالد ترامب ونوه إليه في كلمته التي القاها في الكنيست الاسرائيلي بأن اسرائيل ستصبح *اقوى واكبر*، وهذا بمثابة تعهد امريكي للجانب الاسرائيلي بأن تضمن أمن اسرائيل وتفوقها عسكريا، ومساعدتها على التوسع في فلسطين المحتلة وهذا له دلالاته الخاصة التي تتعارض مع حل الدولتين بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، كما وأنه يأتي على حساب دول الطوق والمنطقة ايضا.
لكن لماذا يا ترى ذهب العرب والمسلمون إلى أن هذه التصريحات جاءت من باب الذريعة واستغلال الموقف، فالأمر غاية في الحساسية ولكل حالة من الحالات حساباتها الخاصة في بناء وبلورة المواقف ولها مآلاتها ونتائجها، فإن كانت نابعة من خوف وهاجس معين فلها حسابات معينة، وإن كانت مجرد ذريعة لها حسابات اخرى والسلوك الاسرائيلي والتعاطي الامريكي والغربي مع الأحداث لهي بينة جلية وشاهد حي على ذلك.
وهنا لا بد لنا من تقسيم الحالة العربية والإسلامية الى اتجاهين مختلفين هما :
الاتجاه الأول وهو الاتجاه الذي تتبناه الأنظمة التي تتبنى خيار المهادنة والمصالحة وتطبيع العلاقات والتسويات السلمية مع الجانب الإسرائيلي والتي ذهبت في بلورة موقفها واختزلته في كون التصريحات الاسرائيلية القائلة بأنهم في حرب وجودية بأنها تصريحات لا تمت للواقع بصلة وبأن وجود اسرائيل غير مهدد ، وهذا الموقف يستشف منه بأنه جاء من باب التطمينات للجانب الاسرائيلي وللمجتمع الدولي بأن وجود الاسرائيليين في المنطقة غير مهدد كما يدعي نتنياهو وزبانيته. وبالطبع فأصحاب هذا الاتجاه تحكمهم نمطية تفكير معينة سَنُعرج عليها فيما بعد. ومن باب اخر فقد يكون ذلك عائد لاعتبارات اخرى تتمثل في سياسة النأي بالنفس وبأن أولويات هذه الدول هو الاهتمام بالذات، بمعنى أن تهتم كل دولة بشؤونها الخاصة، وهذا مؤشر على وجود ضعف كبير في الروابط الدينية والقومية ما بين دول المنطقة. وعلى الرغم من هذا تبقى اعين الكثير من المسلمين والعرب موجهة صوب مصر العروبة التي إن نهضت سيكون لها كلمة وموقف.
اما اصحاب الاتجاه الأخر الذين يتبنون خيار المقاومة فهم ايضاً اخطئوا في حساباتهم وتقديراتهم، فعندما تعرض كيان الاحتلال لمثل هذه الضربة القوية التي اخترقت كافة الجدران الأمنية والعسكرية والنفسية بما فيها جدار الوعي الاسرائيلي الذي تهتك جراء تلك الضربة الموجعة كان يتحتم على الجميع اخذ الأمر و التعاطي معه على محمل الجد وكما ينبغي بناءً على تصريحات المسؤولين الاسرائيليين التي ذهبوا إليها في كون حربهم بأنها حرب وجودية.
نعم لقد كانت الضربة شديدة وموجعة وبغض النظر عن الدوافع والتفسيرات التي وقفت وراء اطلاق الاسرائيليين بأن حربهم التي يخوضونها بأنها حرب وجودية وفقا للمبدأ الذي يقول: كن أو لا تكون، فتلك التفسيرات التي ذهب إليها المحللون كان من الأولى عدم الالتفات إليها طالما أن الاسرائيلي يقول بأم فمه بأن حربه التي يخوضها هي حرب وجودية، ومن الدلائل والبراهين القطعية على انهم قد تعاطوا مع الحالة بأنها معركة فاصلة كما نوهنا بهذا الامر سابقا، هي حضور الغرب وامريكا بأساطيلها البحرية وبعدتها وبعتادها، ومن الادلة والبراهين الدامغة على ذلك ايضا هو السلوك الاسرائيلي في حرب الابادة والهجمة البربرية التي تشن على الفلسطينيين منذ ذلك التاريخ بشكل وحشي. لهذا فنحن نرى بأن اصحاب اتجاه المقاومة قد اخطأوا هم ايضا في تقديراتهم ولم يأخذوا تصريحات قادة الاحتلال على محمل الجد، وكان ذلك جليا من خلال حالة أو وضعية الاستنزاف التي ذهبوا إليها مع الجانب الاسرائيلي تحت مسمى جبهات الاسناد التي كان من نتائجها ما كان في غزة واليمن ولبنان باستشهاد القادة وعلى رأسهم سماحة السيد حسن نصر الله، وتغيير النظام في سوريا ومهاجمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
بعد السابع من تشرين أول حضرت امريكا بعدتها وبعتادها الى الشرق الأوسط في حين كانت تعمل قبل ذلك التاريخ على دعم الجانب الاسرائيلي وضمان تفوقه في الظل نوعا ما، وهذا من اكبر المؤشرات والشواهد على أن هذا التاريخ كان بمثابة حدث تاريخي ونقطة فارقة ولحظة مهمة من عمر التاريخ وفقا لحسابات كافة الاطراف ووفقا لزاوية النظر لكل منهم، فهذا الحدث قد حول الأمور والأحداث بشكل جذري ووضعها في سياق مختلف.
أما فيما يتعلق بالحالة العربية وغيابها اللا محدود؛ فنحن لا نذهب إلى التخوين ونعت الأنظمة بأنها أنظمة عميلة، بل نذهب إلى هشاشة موقفها بفعل شعورها بعقدة النقص وحالة الضعف النفسي التي تمنعها من الإيمان بأنها تمتلك الكثير الكثير من عناصر القوة والمنعة، لذلك فنحن نرى الحالة التي عليها المشهد بأن سمتها التفتت والتشرذم والانكسار والضعف العربي ، ومنبع ذلك عائد لنمطية التفكير وكيفية الرؤية لمقومات الانتصار والهزيمة.
ونقصد هنا بنمطية التفكير بأنها هي الطريقة التي يتعامل بها الفرد (والمقصود هنا هو العقل الجمعي العربي) مع المعلومات من حوله بناءً على أفكار مسبقة أو جاهزة يتم الأخذ بها كمسلمات واحكام مسبقة دون التمعن بالقضية التي يتم طرحها بشكل جيد، بالتالي فهذا الأمر يشكل عائقا أمام التطور والتفكير الابداعي مما ينعكس على شخصية الفرد بشكل سلبي يتمثل في فقدان الفرد ثقته بذاته مما يجعله يغدو اكثر انعزالية وانهزامية لشعوره بحالة الضعف وفي عدم تفكيره بشكل ابداعي يعزز من قوته ومنعته ووحدة موقفه ومصيره وهذا ما ينطبق على حالتنا العربية.
في المحصلة نجد بأن الاحتلال الاسرائيلي يقاتل اليوم من اجل البقاء حتى وإن بدى الأمر على غير ذلك من خلال اعلانه الصريح عن اطماعه في المنطقة وهي دون ادنى شك اطماع حقيقية ولكنها في الوقت الحالي من باب تضخيم القوة واعلاء سقف المطالب والمطامع والرغبات من خلال وهج وهالة البطش بشكل عظيم من اجل ترهيب المنطقة والاقليم، فلا خطوط حمراء تقف أمامه، فقد قام بكسر كافة المعادلات والخطط وقواعد الاشتباك وقام بوضع اعتبارات أمنية ينطلق وينفذ مهامه العسكرية بناء عليها، وذلك من اجل المحافظة على ذاته و أمنه ومن اجل ضمان مستقبله، ونستنتج هنا بأن هذا نابع من عدم ثقته بالمستقبل، لهذا نراه يعمل الآن من اجل تحقيق المكاسب قدر الامكان واغتنام الفرص كما حصل في سوريا من خلال تمدده داخل أراضيها بعد أن تم تسريع عملية انهيار النظام السوري، وكما حصل ايضا على الجبهة اللبنانية بتراجع قوة ردع حزب الله اللبناني كما يراها الجانب الاسرائيلي والذي يقرأ فيه البعض الاخر بأنه تراجع تكتيكي.
قمة النار ...
قمة النار هي الاسم الذي اطلقه الاسرائيليون على العملية التي قاموا بها في التاسع من سبتمبر ٢٠٢٥م عبر غارة شنها سلاح الجو الإسرائيلي على العاصمة القطرية (الدوحة) حيث تم استهداف المنطقة التي يقع فيها مقر الوفد المفاوض لحركة حماس.
ولو امعنا النظر جيدا في اسم العملية التي سميت بقمة النار لوجدنا دلالتها تشير بأنه لا يوجد مكان في هذه المنطقة لا تطاله النار و اليد الاسرائيلية التي قامت بحرق وبكسر كافة الاعتبارات والمعادلات ملغية من قاموسها مفهوم الخطوط الحمراء لكون اشارتها كانت وما تزال تضيء باللون الاخضر، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مكان بمأمن أو بمنأى عن ارهاب هذا الكيان من اجل تحقيق اهدافه.
بعد قصف الدوحة ادرك الأمريكيون بأنهم قد ارتكبوا هم والإسرائيليون خطأ فادحا، وتم العمل بعد ذلك على احتواء الموقف ورأب الصدع الناتج عن تلك الضربة، وقد ترجم ذلك من خلال العمل الدؤوب الذي نتج عنه تقديم الاعتذار لدولة قطر بشكل سريع وذلك خلال اقل من شهر بعد تلقي الدوحة تلك الضربة والذي جاء على لسان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي. ويمكننا القول هنا بأن هذا الخطأ المقصود بعد أن تم تمرير الرسالة من خلاله كان المحفز لدفع الولايات المتحدة للضغط نوعا ما على الجانب الاسرائيلي من اجل المضي قدما للتوصل لوقف إطلاق النار بناء على الخطة الفضفاضة التي قدمها فيما بعد دونالد ترامب والتي لم تحمل افقا سياسيا، بمعنى أنها جاءت بلا ثمن سياسي يدفعه الاسرائيلي وهذا قد جاء من باب استغلال الموقف الرسمي العربي الذي تم احراجه بشكل كبير أمام شعوب المنطقة، وقد تم استغلال الموقف الفلسطيني كذلك والذي كانت أولوية مطالبه تتمثل في وقف العدوان (وقف نزيف الدم) بأي ثمن بفعل انعدام البدائل، أما الموقف العربي فقد كان نابع من حالة عجز ولا مبالاة للأسف، في حين كانت الحالة وما زالت تستدعي اتخاذ مواقف عربية متقدمة وذات فعالية تتساوى وترتقي الى مستوى الحدث و مع الاعمال الاجرامية التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي وحكومته المتطرفة بحق ابناء شعبنا الفلسطيني فالأمر قد تجاوز حركة حماس والاخوان المسلمين في حال ما كان هذا هو ادعائهم.
وإلى جانب هذا العامل الذي ادى الى الإعلان عن وقف اطلاق النار كان هنالك عدة عوامل اخرى مثل العمل على اجهاض الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، ومن اجل انقاذ اسرائيل من حالة التدهور العالمي، ومن اجل تحقيق مكاسب سياسية زائفة للرئيس الامريكي دونالد ترامب ولإدارته الفاشلة والداعمة للكيان الصهيوني بتوفيرها الغطاء الكامل له، فأمريكا هنا ليست بريئة بل هي شريكة منذ الساعات الأولى لكنها هنا تعاملت مع الموقف كما يقول المثل العربي: واحد بضرب كف والثاني بعدل الطاقية. ومن العوامل الاخرى التي ادت الى ذلك هي الحاجة الى التفرغ للساحات والجبهات الاخرى ، كلبنان واليمن وإيران.
وعودا على ذي بدء فحتى لو افترضنا في حال من الاحوال بأن الاحتلال الاسرائيلي قد رفع هذا الشعار في كون الحرب التي يخوضها بأنها حرب وجودية من باب اخذ احداث السابع من اكتوبر ذريعة يتذرع بها من اجل تنفيذ اطماعه التوسعية، فهذا بحد ذاته يشكل خطرا على وجود كل دول المنطقة، وهذه الأطماع التوسعية تأتي من باب افناء وتركيع كل من يتم تصنيفه و اعتباره عدوا . وهذا بالطبع يشمل كل المنطقة من وجهة نظر الاسرائيليين، لهذا فإننا نجد بأن أطماعه التوسعية تخدم بقاءه، والتوسع والتمدد في المنطقة من وجهة نظر الاسرائيليين هي الضامن الوحيد لمستقبلهم بحيث يعطي مساحة جغرافية اكبر من اجل الدفاع عن قلب الدولة الهش والمنكشف والذي بان ضعفه في يوم الغفران وفي السابع من اكتوبر جراء عمليات العبور واجتياز الخطوط من قبل بضعة آلاف، لهذا فهم يؤخذون بعين الاعتبار اسوأ الاحتمالات والذي يتمثل في يوم يأتي عليهم بزحف عظيم لا يقوون على صده، وهذه الخطوة لو حصلت من خلال اندفاع المقاتلين من اكثر من محور نحو العمق الإسرائيلي فستكسر كافة موازين القوى، وهذا ما قد اشاروا إليه بشكل ضمني بعد بضعة اشهر من السابع من اكتوبر حينما كانوا يتوجسون خيفة من وجود اكثر من ٤٠ ألف مقاتل من مقاتلي الفصائل العراقية واليمنية والإيرانية الذين كانوا يتواجدون على الأراضي العربية السورية في عهد الرئيس السابق بشار الاسد. يأتي هذا الاستنتاج من خلال رصد وتحليل التصريحات الاسرائيلية المتواترة بأن السابع من اكتوبر سيكون بمثابة أنموذجا ودافعا من اجل تحريك بعض قوى المنطقة نحو تكرار هذا المشهد، وبناء على المشهد الذي كان قبل تغيير النظام السوري فهم كانوا يعتقدون بأن هذا الخطر لن يأتيهم إلا عبر سوريا أو لبنان وبالذات بعد التهديدات اليمنية التي كانت تتوعد الكيان الاسرائيلي بأنهم سيهاجمونهم من البر، وفي حال تم ربط الاحداث في وقتنا الراهن فإننا نستنتج بأنه لن يتم الانسحاب من متر واحد من الأراضي السورية التي تم احتلالها بعد رحيل بشار الأسد ونظامه.
في المحصلة نجد بأن هذه الافعال الاسرائيلية هي ترجمة لما قاله بنيامين نتنياهو عندما قال في اكثر من مرة بأنه سينتصر في هذه الحرب من خلال اهدافه المعلنة انتصارا يضمن وجودهم ومستقبلهم. لهذا فالأمر سيان في كلا الحالتين ويقودنا إلى أن اسرائيل تقاتل لتبقى من خلال توسعها لإعطاء مجال (جدار أمني) دفاعي أوسع عن العمق الإسرائيلي وبالذات من اجل التمكن من افشال أي محاولة تقدم بري نحو العمق الإسرائيلي، وتقاتل ايضا من اجل المحافظة على ذاتها الحالية ما امكن لها ذلك، فهم يعتبرون بأنه لا يوجد مكان يذهبون إليه في هذا العالم بعد أن تم طردهم من قبل اكثر من أمة عبر التاريخ.
ان السلوك والممارسات العدوانية غير المبررة وغير المستساغة اطلاقا واللا اخلاقية التي ما تزال ترتكب بحق ابناء الشعب الفلسطيني تدق ناقوس الخطر وتلزم كافة الاطراف العربية والإسلامية بأن يدركوا بأن حربهم ومواجهتهم لأي مؤامرة يجب أن تكون هي الاخرى حربا وجودية، وهذا هو بالذات كلمة السر واكسير حياة ونهضة الأمة العربية و الإسلامية من جديد. وهنا لا بد لنا من التوقف قليلا، فلا يوجد أي طرف فلسطيني يتحمل عبئ ووزر ما قد جرى من اجرام وبطش اسرائيلي بحق ابناء شعبنا الفلسطيني والذي فاق الخيال، وعند الذهاب الى رأي مغاير لهذا الرأي وبالذات في ظل العدوان الهمجي وكأننا نعطي المسوغ والمبرر من حيث لا ندري لفعل الرد الاسرائيلي الذي اجمعت عليه البشرية بأنه حرب إبادة جماعية بحق ابناء الشعب الفلسطيني.
ان ما ذهب إليه الاسرائيليون منذ السابع من اكتوبر في أن حربهم هي حرب وملحمة وجودية ادركه حزب الله اللبناني بعد عام ونصف تقريبا، وذلك بعد أن تعرض لضربات قوية جدا، ومن ثم قطعت خطوط امداده من سوريا بعد أن سقطت وخرجت من محور المقاومة والتي كانت تشكل عمقا استراتيجيا له. وبعد ذلك زاد الضغط في الداخل اللبناني بشكل كبير جدا وتمت مطالبة حزب الله بتسليم سلاحه للدولة اللبنانية طواعية، وهنالك جهات اخرى طالبت الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، كما وأن الاحتلال الاسرائيلي يتوعد اللبنانيين بأنه سيقوم بالقضاء على حزب الله وتجريده من سلاحه، لهذا فقد ادت محاصرة حزب الله من كافة الاتجاهات الى أن يصل الى هذه النتيجة، مفادها بأن حربهم المقبلة هي حرب وجودية ولن نقول أو نذهب الى أنها جولة او معركة بل ستكون مختلفة تماما.
إن ما يرجح و يقوي هذا الاحتمال هي القناعات التي بتنا نقرأها بأنها تولدت عند الإيرانيين كذلك، لأننا نراهم بأنهم قد ادركوا بأن الخطر الوجودي بات يهددهم وبأن حرب الاستنزاف في مثل المواجهة مع اسرائيل لا يجدي نفعا لكونها مدعومة من دول عظمى، وهذا الأمر ما ادركه حزب الله متأخرا ايضا حيث باتت الطائفة الشيعية مهددة بالخطر الوجودي كما ذكرنا أنفاً، واليمن كذلك، ويجب أن لا ننسى العراق ايضا و الذي شعر بالخطر وبالذات بعد تغير النظام في سوريا.
من المرجح جدا بأن الحرب القادمة والتي يتم التحضير لها من قبل كافة الاطراف بوتيرة عالية على كافة الصعد والمجالات ستكون مختلفة تماما وسيستمرون فيها حتى النهاية. ومن اجل ذلك قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتطوير سرعة الصواريخ لتصبح صواريخ عابرة للقارات من اجل استهداف الولايات المتحدة الأمريكية التي دأبت على المحاربة خارج أراضيها، ومن الوارد جدا بأنها ستشارك بالحرب الى جانب اسرائيل ، لهذا لن يكتفي الإيرانيون باستهداف أساطيلهم البحرية وقواعدهم العسكرية في المنطقة فكما تدين تدان وكما اعتدوا علينا سنعتدي عليهم وهذا بكل تأكيد لسان حال الإيرانيين الذي لا نستبعد بأنهم يبحثون عن موطئ قدم لهم في امريكا الجنوبية كما فعل الاتحاد السوفييتي أبان الحرب الباردة، ولا نستبعد كذلك بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قامت بصناعة القنابل النووية بعد الحرب الأخيرة التي تم فيها مهاجمة أراضيها من قبل اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بقصف مناطق نووية إيرانية استراتيجية بالغة الحساسية.
ومن شبه المؤكد بأن حزب الله إن قاتل في المعركة القادمة سيقاتل خارج ارضه، فهم على الاغلب يعتقدون بأنهم إن لم يفعلوا ذلك سيخسرون حينها كل شيء لأن اسرائيل في هذه المعركة ايضا ستذهب هي الاخرى حتى النهاية.
ان السابع من اكتوبر بمثابة حدث تاريخي ومفصلي قد غير مجريات الأمور إن كان سلبا أو ايجابا، لمصلحة المنطقة أو لا، لهذا فهو انعطافه ستترك اثرها لعدة اجيال قادمة لا يمكن تجاوزها والمرور عنها مرور الكرام . وإذ يكمن الخطر في هذا الحدث من وجهة النظر الإسرائيلية بأهميته وحساسيته المعنوية في الدرجة الأولى، وذلك عائد لما أحدثه من أثر بالغ في جبهتي الوعي والإدراك عند كافة الاطراف.
في الختام لا بد من الإشارة إلى أن احد أهم الفوارق بين الجانب الاسرائيلي والجانب العربي تكمن في معرفته نقاط ضعفه ويعمل مباشرة على علاجها محولاً إياها الى فرص ممكنة و متاحة من اجل استثمارها لاصطياد اكثر من عصفور بحجر واحد، وامتنا العربية بكل اسف نراها على العكس من ذلك تماماً، لهذا نجدها على الدوام غارقة في وهم الهزيمة والضعف ونراها تقف على الدوام على نفس الخط وعلى ذات المسار.



