الكاتبة : د. سناء محمد حسين شحادة
لم يكن العقوق يومًا فعلًا صاخبًا؛ لم يكن صراخًا، ولا رفضًا مباشرًا، ولا قسوة واضحة للعيان. أحيانًا، يكون العقوق أبسط من ذلك بكثير… وأكثر ألمًا. يكون صمتًا طويلًا، وانشغالًا مفتعلًا، وتجاهلًا يُعاد ترتيبه كل يوم حتى يعتاد القلب على ما يجب ألّا يعتاد عليه.
في زوايا البيوت، حيث يجلس الوالدان في آخر اليوم، لا يسمعان سوى أصوات الأشياء. ضجيج التلفاز، حركة ساعة الحائط، صوت الرياح خلف النوافذ. لكن هناك ما هو أعلى من كل هذا الضجيج: غياب أبنائهم. ذلك الغياب الذي يأكل روحهم بصمت، دون أن يشعر به أحد.
لم يكن الأب بحاجة لشيء معقّد؛ كل ما أراده هو سؤال بسيط عن يومه.
ولم تكن الأم تطلب المستحيل؛ كانت تنتظر كلمة صغيرة، أو رسالة عابرة، تُشعرها بأنها ما زالت جزءًا من حياة أبنائها. لكنّ الحياة أخذتنا بعيدًا… أو لعلنا نحن سمحنا لها أن تفعل.
نقول: سنكلمهم لاحقًا.
نقول: مشغولون الآن، متعبون، غدًا أفضل.
لكن الغد لا يأتي أبدًا، ومع كل يوم يُهمل فيه الوالدان، يُغلق باب صغير في قلوبهم، ويُفتح باب آخر للندم الكبير الذي لا نراه إلا متأخرين.
العقوق ليس جرحًا يحدث فجأة، بل نزيف بطيء. نصنعه بكلمة، أو نظرة، أو تجاهل، أو غياب لم نقصد به الإساءة… لكنه يؤلم أكثر من ألف كلمة قاسية.
والقلب الذي أعطاك دون حساب… لا يعرف أن يحاسبك اليوم.
هو فقط ينتظر.
ينتظر دون أن يشكو، لأن الشكوى منه تُشبه الخيانة…
كيف يشتكي الأب من ابنه؟ وكيف تشتكي الأم من قلبها؟
ومع ذلك، يبقى بصيص أمل لا ينطفئ.
الوالدان لا يغلقان أبوابهما مهما تأخرنا، ولا يطفئان نور الانتظار مهما أسرفنا في الغياب.
تكفي مكالمة واحدة، كلمة واحدة، زيارة عابرة، لتعيد لقلوبهما حياة كاملة.
قبل أن يسبقنا الندم…
قبل أن نجد الكرسي فارغًا، والصوت منقطعًا، والباب مفتوحًا دون أن يقف خلفه أحد…
قبل أن يصبح صوتهم ذكرى نُعيد تشغيلها كي نسمع ما لم نسمعه في وقتٍ كان يجب أن نكون فيه قريبين…
فلنعد.
ليس لأنهم بحاجة إلينا… بل لأننا نحن من نحتاج أن نُشفى من جرح العقوق قبل أن يتحول إلى ثقل لا يرفعه العمر كلّه.
البرّ ليس واجبًا أخلاقيًا فقط… بل منحة نجاتنا.
منحة تُعيد ترتيب القلب، وتُخفف صمتًا أثقل من الزمن، وتعيد لأرواحنا ما سلبته الحياة من دفء.
فليكن هذا اليوم بداية…
بداية لعودة طال انتظارها…
عودة تزرع الحب من جديد، وتُطفئ جرحًا لم نتخيله يومًا في قلوب من أحبونا دون حدّ.
* باحثة في سلك الدكتوراه – أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية / جامعة القدس المفتوحة



