الكاتب : محمد زهدي شاهين
تعتبر معادلة السلام من وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية بأنها معادلة بسيطة جداً، فهي بكل بساطة ووضوح بمثابة سلام السيد مع العبد وسلام المهيمن مع الخاضع، سلام المنتصر مع المهزوم أو سلام العزيز مع الذليل، وهذه هي المعادلة باختصار، وهذا الأمر اصبح واضحا بشكل جلي لا لبس فيه وبشكل خاص بعد السابع من تشرين أول من عام ٢٠٢٣م.
بعد هذا التاريخ المفصلي حصل هنالك الكثير من التغيرات والنقلات النوعية في السلوك السياسي للكثير من الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. لهذا دعونا ننظر هنا لماذا تتميز هذه الفترة بالتحديد من ناحية السلوك السياسي للإدارة الأمريكية وبالذات فترة رئاسة دونالد ترامب الحالية عن الفترة السابقة ما بين العامين ٢٠١٧م و٢٠٢١م التي قام خلالها بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل حيث قام في نفس تلك الفترة بنقل مقر السفارة من تل ابيب إلى حي أرنونا بالقدس، وهذا التحول السلوكي نستطيع تسميته بأنه كان بمثابة فترة التحول الجزئي أو لنقل النقلة النوعية التي لم تقم بها أي إدارة امريكية سابقة.
إن ما يميز الفترة الحالية عن الفترة السابقة هي الظروف الموضوعية والمستجدات التي نتجت جراء الانعطافة التاريخية التي حدثت في السابع من تشرين أول، فبعد هذا التاريخ، حضرت الولايات المتحدة الأمريكية بعدتها وبعتادها الى الشرق الأوسط من اجل نجدة حليفها الإسرائيلي باعتباره حليفاً ذو قيمة ومكانة في قلب امريكا التي شاركت بأعلى المستويات في اجتماعات حكومة الطوارئ الاسرائيلية أو مجلس الوزراء الحربي (الكابينت) من اجل وضع ورسم خطط المواجهة والدفاع، في حين كانت تعمل قبل ذلك التاريخ على دعم الجانب الاسرائيلي من اجل ضمان تفوقه العسكري في الظل نوعا ما، وهذا من اكبر المؤشرات والشواهد على أن السابع من تشرين أول كان بمثابة حدث تاريخي ونقطة فارقة ولحظة مهمة من عمر التاريخ حولت الأمور والأحداث بشكل جذري ووضعتها في سياق مختلف، فقد انتبهت امريكا ودول الاستعمار الغربي من غفوتها ووقفت على قدميها دفاعا عن وليدهم الذي تم غرسه في هذه الأرض، والتحول الذي نقصده هنا هو ما نطلق عليه ونصفه بأنه كان بمثابة تحول كلي للسياسة الأمريكية أي بمعنى "اللعب عَلى المكشوف" من خلال توفير الغطاء الكامل للجانب الاسرائيلي.
كلمة ترامب في الكنيست الاسرائيلي ...
دعونا نرى هنا ما الذي تضمنته كلمة أو خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الكنيست من هذا العام، وهي اعترافات رسمية من اعلى المستويات في الولايات المتحدة بالشراكة الأمريكية الإسرائيلية، ومما جاء في هذه الكلمة على لسان الرئيس الامريكي: (منذ اليوم الأول الذي تأسست فيه اسرائيل وقفنا معاً وواجهنا الشر معاً، وخضنا الحرب معاً، ولربما الأجمل من كل ذلك صنعنا السلام معا) !! ومما قاله ايضا (اصدرت الأوامر بإنفاق مليارات الدولارات لصالح الدفاع عن اسرائيل ... لقد قدمنا الكثير لإسرائيل صراحة، وبيبي نتنياهو اتصل بي كثيرا قائلا هل يمكنك اعطائي هذا السلاح؟ وذلك السلاح وذاك السلاح؟ _واللكنة هنا كانت مغلفة بأسلوب الافتخار ومداعبة مشاعر الحضور في مقر الكنيست_ وقد استرسل ترامب في حديثه قائلا: بعض الأسلحة لم أكن أعرفها ولكنني قمت بتوفيرها، وبدعمنا تمكنت إسرائيل بالفوز بكل ما أمكنها أن تحققه، لقد فزتم بقوة السلاح...أنا أحب إسرائيل، وأنا معكم دائما ... ستصبحون أكبر وأفضل وأقوى _ وهنا لا بد من وضع علامة استفهام وثلاثة خطوط حمراء تحت عبارة "ستصبحون أكبر"_ وأمن إسرائيل لن يبقى مهدداً بأي شكل من الأشكال _وهذا بالتأكيد رسالة موجهة للمنطقة والاقليم، نشتم منها ونقرأ بأنها لغة تهديد ووعيد_ ، ومما قال: لقد حان الوقت لكي تقطفوا ثمرة عملكم، حان الوقت لترجمة الانتصارات ضد الإرهابيين في الميدان إلى تحقيق السلام والازدهار). من هذا الخطاب نستشف بأن سلامهم المزعوم يفرض بالقوة لا غير ذلك، فهل بعد هذا الوضوح وضوح .
التناغم والانسجام بين الخطابين ...
وهذا الخطاب الأمريكي قد تناغم معه الخطاب الإسرائيلي في ذات المكان والموقف على لسان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي مدح فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأثنى عليه واصفا إياه بأنه افضل صديق لإسرائيل ، ومما جاء في خطابه: (إن الأعداء يفهمون أن مهاجمة إسرائيل في السابع من اكتوبر كان خطأ كارثيا، ويفهمون أن إسرائيل قوية وأن إسرائيل هنا لتبقى، وهذا سيدي الرئيس هو الأساس الذي لا غنى عنه للسلام، السلام...من خلال القوة)، وهذا التوجه والقناعات لكلا الحليفين ليس مستغربا، فهما يتسقان وينسجمان مع بعضهما البعض في ذات الرؤية المتمثلة في إعادة رسم وهندسة الشرق الأوسط وصناعة السلام بقوة البارود والحديد والنار عبر فرض الإرادات والاملاءات، وذلك على عكس ما جنح إليه الفلسطينيون محبي السلام الحقيقيين منذ اكثر من ثلاثين عاماً مضت.
القوة وصناعة السلام ...
ان هذا السلام الأمريكي الاسرائيلي بمفهومه آنف الذكر الذي يأتي وفق رؤية المستعمر والمحتل مغاير تماما لمفهوم السلام الذي يعرفه بني البشر، فالأساس الذي لا غنى عنه للسلام هو الالتزام بمفاهيم أو بمبادئ العدل والتسامح والعمل الجاد والمشترك، ولن نبالغ هنا إن قلنا لو أننا اجتهدنا مراراً وتكراراً وعملنا على إعادة ترتيب احرف وكلمات وجمل مقالتنا من اجل أن نخرج بمفهوم للسلام أو السلام السوي لخرجنا حينها بجنين مشوه لتشويههم معنى السلام .



