الكاتب : محمد عمر صبرة
مارست سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، سياسةً استيطانية استعمارية توسّعيةً، بهدف إحكام السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وإعادة تشكيلها ديموغرافياً وجغرافياً. ارتكزت العمليات الاستيطانية الاستعمارية على قوانين عنصرية هدفت إلى إضفاء الشرعية على البناء الاستعماري والتوسع على حساب السكان الفلسطينيين الأصليين. رافقت تلك العمليات اعتداءات دموية نفذها جيش الاحتلال والمستعمرون بحق الشعب الفلسطيني، وأيضاً استهداف البيئة الفلسطينية ومواردها بشكل ممنهج. يشكل البناء الاستيطاني الاستعماري في الأراضي الفلسطينية وما يرافقها من اعتداءات على المواطنين الفلسطينيين والبيئة الفلسطينية انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي العام ومقرراته.
أرست سلطات الاحتلال منذ عام 1967 بنية تشريعية متشعبة بهدف إضفاء الشرعية القانونية والدستورية على العمليات الاستيطانية الإحلالية في الأراضي الفلسطينية، كالأوامر العسكرية، والقوانين العادية، وقوانين الأساس . أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي مثلاً عام 1967 "الأمر العسكري رقم 58" بشأن الأموال التي تركها أصحابها خلال احتلال الضفة الغربية، وأناط الأمر بقائد المنطقة العسكرية تعيين مسؤول قضائي عن تلك الأموال، وإعطائه حرية التصرف بها أو إدارتها أو تأجيرها. سنّ الاحتلال الإسرائيلي كذلك عام 2016 "قانون تسوية مباني المستوطنات" أو "قانون تبييض المستوطنات"، بهدف إضفاء الشرعية على المستعمرات التي أقيمت على أراضٍ ذات ملكية خاصة للفلسطينيين. من جهته، اعتبر "قانون أساس إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي" عام 2018 أن "أرض إسرائيل" هي الوطن التاريخي لليهود، وعدّ الاستيطان قيمةً وطنيةً واجبةَ التشجيع.
ترتكز عمليات التوسع الاستيطاني الاستعماري على طرد السكان الفلسطينيين، وإحلال المستعمرين مكانهم، باستخدام العنف الدموي الممنهج. بيّنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أنه مع نهاية عام 2024 بلغ عدد المستعمرين في الضفة الغربية والقدس نحو 710 آلاف مستعمر، يسكنون 180 مستعمرة، و256 بؤرة استعمارية، من بينها 138 بؤرة رعوية وزراعية. بيّنت الهيئة كذلك أن سكان الضفة الغربية تعرضوا عام 2024 إلى أكثر من 16 ألف اعتداء، أدت إلى استشهاد 10 مواطنين، وجرح الآلاف، وإشعال مئات الحرائق في الممتلكات.
تخالف سياسات الاستيطان الاستعماري في الأراضي الفلسطينية مبادئ القانون الدولي العام ومقرراته. يعد مبدأ عدم جواز اكتساب أراضي الغير بالقوة من أهم المبادئ القانونية الدولية الراسخة. من جهتها، نصّت المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر نقل السكان المدنيين التابعين لدولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، كما أكدت قرارات الأمم المتحدة على إزالة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، معتبرة أن كافة الأنشطة الاستيطانية باطلةٌ، مثل قرار مجلس الأمن 2334 عام 2016، وقرار الجمعية العامة 78/78 عام 2023، وقرار مجلس حقوق الإنسان 32/55 عام 2024. إضافة إلى ذلك، عدت المادة 8/ب/8 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية أنه من ضمن جرائم الحرب قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو أبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.
من جهة أخرى، يترتب على البناء الاستيطاني الاستعماري في الضفة الغربية تدمير البيئة الفلسطينية. يعود ذلك إلى أن عملية البناء تقوم على مصادرة الأراضي وتجريفها واستهداف الأشجار، والسيطرة على أغلب مصادر المياه الجوفية الفلسطينية، وتلويث جزء منها. بيّنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن سلطات الاحتلال استولت عام 2024 على أكثر من 46 ألف دونم، كما استهدفت بالتعاون مع المستعمرين آلاف أشجار الزيتون بالتسميم والتخريب والقلع، وهذا يعني تراجع المساحات الخضراء في الأراضي الفلسطينية. إضافة إلى ذلك، أدت عمليات الاستنزاف للمياه الفلسطينية بفعل الاستيطان الاستعماري إلى تناقص كميات كبيرة من مياه الخزان الجوفي، كما عملت سلطات الاحتلال على تلويث جزء من المياه الجوفية الفلسطينية من خلال تسريب المياه العادمة والمخصبات الزراعية ومبيدات الآفات الزراعية إليها.
ينطوي على استهداف سلطات الاحتلال والمستعمرين للبيئة الفلسطينية مخالفة لمبادئ القانون الدولي العام ومقرراته. يمثل استغلال الموارد الطبيعية لصالح الاحتلال خرقاً لمبدأ السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية. علاوة على ذلك، ألزمت المادة 55 من لوائح لاهاي عام 1907 سلطات الاحتلال بإدارة الموارد في الإقليم المحتل بصفتها وصيّاً لا مالكاً، كما أقر مجلس حقوق الإنسان في قراره 48/13 عام 2021 الحق في بيئة سليمة ومستدامة. تجدر الإشارة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة دأبت منذ عقود على إصدار القرارات التي تؤكد على حق الشعب الفلسطيني في السيادة على موارده الطبيعية، كان آخرها الثلاثاء المنصرم.
تفرض سياسات سلطات الاحتلال الإسرائيلية والمستعمرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على المجتمع الدولي واجباً قانونياً بالتحرّك لضمان احترام مبادئ القانون الدولي العام ومقرراته. تتطلب مواجهة هذه الانتهاكات تعزيز آليات المساءلة القانونية، وتوثيق الأفعال الميدانية التي يرتكبها جيش الاحتلال والمستعمرين ليس بوصفها نزاعاتٍ عقاريةً أو إجراءاتٍ أمنيةً كما تحاول سلطات الاحتلال تصويرها، بل بوصفها جرائم مستمرةٌ قائمةً على العنف المنظم والمتعمد بحق الشعب الفلسطيني، تستوجب المساءلة السياسية والجنائية الدولية.



