الكاتب : د. بسام سعيد
في لحظة فارقة من تاريخنا، ونحن نعيش بين أزمات متشابكة في الحكم والمعيشة والطموح الوطني، يبرز سؤال مؤرق: ألا نستحق أن نراجع أنفسنا؟
أن نقف وقفة صدق مع ذواتنا ، أن نعترف، ببساطة وجرأة، أين أخفقنا ، ولماذا؟
لقد طالت أزمتنا حتى صارت طبعًا أكثر منها ظرفًا؛ أزمة فكر قبل أن تكون أزمة موارد، وأزمة ضمير قبل أن تكون أزمة إدارة.
نمارس السياسة بعقلية الغنيمة لا الخدمة، كثيرون ينتمون للفصيل قبل الوطن، ونتحدث عن المصلحة العامة ونحن نحرس مصالحنا الخاصة.
ألسنا بذلك نعيد إنتاج الفشل بأسماء جديدة وألوان مختلفة؟
المجتمعات التي تتقدم لا تُعفى من الأخطاء، لكنها تمتلك الشجاعة لمواجهتها.
بينما نحن، ما زلنا نخشى النقد الذاتي وكأنه اعتراف بالعجز، لا وسيلة للإصلاح.
نرفض المراجعة لأننا نهاب أن تهتز صورتنا أمام الناس، مع أن الحقيقة الواضحة أن الجمود أخطر من الاعتراف بالخطأ.
أين هي المؤسسات التي تتعلم من إخفاقاتها؟ أين النخب التي تُقرُّ بفشل سياساتها؟ وأين المواطن الذي يسائل نفسه قبل أن يسائل الدولة؟
المراجعة ليست ترفًا فكريًا، بل شرط للبقاء في عالم لا يرحم من يتخلف.
لقد تحولت الحزبية في كثير من الأحيان إلى ولاء ضيق يقتل الفكرة الوطنية الجامعة.
كل فصيل يظن أنه الوطن، وكل حزب يعتقد أنه المخلِّص الوحيد ، بهذا المنطق تتفتت القوى، وتُهدر الطاقات، ويصبح الانتصار السياسي أهم من النهوض بالناس ، الوطن لا يُبنى على حساب الآخر، بل بالشراكة معه أذا توفرت النية للشراكه ، ولا ينتصر على أزماته حين يتنازع عليه أبناؤه، بل حين يتوحدون على مشروع جامع، لا على شعار فارغ.
أزمتنا في الحكم ليست فقط في من يحكم، بل في كيف يُدار الحكم ومن يمتلك امور الناس يجب ان يتحلى بالحكمة حتى وان لم يكن للحكيم شعبيه فى عالم الشعوبه الذى نعيش ،حين تغيب الرؤية الشاملة، ويحل محلها منطق التسيير اليومي وإطفاء الحرائق، يتآكل المشروع الوطني شيئًا فشيئًا.
نحتاج إلى قيادة تسمع بقدر ما تتكلم، وإلى إدارة تؤمن بالمساءلة لا بالمحسوبية، وإلى منظومة ترى في الإنسان رأس مالها الأول لا عبئًا على موازنتها.
إن الطريق الى النهوض لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من تغيير العقليات ، من استعادة الإيمان بأن الوطن أكبر من الحزب، وأن الفكرة أنقى من المصالح، وأن النقد لا يعني العداء.
علينا أن نعيد صياغة علاقتنا بذواتنا وبوطننا على قاعدة واضحة: من لا يُراجع نفسه، يكرر فشله .
لسنا بحاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وقفة ضمير جماعية.
أن نراجع، نصحح، نتعلم، ونبدأ من جديد.، فإن لم نفعل اليوم، فمتى؟
وإن لم ننتصر على أنانيتنا الحزبية، فكيف ننتصر لوطنٍ ينتظرنا جميعًا؟؟
* أكاديمي وباحث



