الكاتب : د. نورالدين ثنيو
العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة، يجب أن تتطور دائما لصالح المؤسسات الدولية، والإجراءات الأممية مع مزيد من الشرعية الوطنية والدولية، لأن الهيئة الأممية لا تلبث أن يزيد عددها، ومن ثم تحصن شرعيتها. وباعتبار أن اللاحق من التاريخ يصحح السابق منه، فإنه يجب على المجموعة الدولية، أن تستدرك حالة إسرائيل، الكيان الشاذ على العالم والعلاقات الدولية، وأن تصفيها كما صفَّت الاستعمار من قبل.
ما يمكن التفكير فيه، بعد كل التاريخ الفاسد لدولة إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، هو ضرورة التعامل معها على أنها أزمة/ مشكلة أوجدتها علاقات دولية بعد الحرب العالمية الثانية، ونشأة هيئة الأمم المتحدة، وانتصار الجيش الأحمر السوفييتي على النظام النازي والنصر الصيني الكبير على الجيش الياباني، الذي تحقق كله في عام 1945، بمعنى أن اللحظة كانت أممية بامتياز وليست أوروبية غربية فحسب، على ما ساد بعد ذلك، حيث راحت العلاقات الدولية تتفاعل مع صراع آخر هو الحرب الباردة، بين الكتلة الشيوعية والكتلة الرأسمالية، التي ضاع فيها كثير من حقوق البلدان المتأهبة لاستعادة سيادتها، وفق ما تقتضيه تقاليد حديثة ومعاصرة، من تأسيس الدول على أساس من وجود الأمة على أرضها، وهذا ما لم يكن في الحالة الإسرائيلية، التي كانت عبارة عن صناعة استعمارية بحتة رتبتها القوى الغربية حتى داخل الهيئة الأممية، التي كانت تتلمس طريق تكوينها.
ما يمكن التفكير فيه اليوم، وبعد حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني هو، أن الكيان العبري قابل للتصفية بالكيفية نفسها، التي تمت فيها تصفية الاستعمار في مرحلة بدأت من النصف الثاني من القرن العشرين، بمعنى آخر يفيد المعنى ذاته، أن الكيان العِبْري في منطقة الشرق الأوسط يجب أن تسري عليه حركة تصفية الاستعمار، وفق ما نصَّ عليه القانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة وقرارات المحاكم الدولية منها محكمة العدل الدولية، وبيانات الدول في علاقاتها الثنائية والدولية ومؤتمراتها الوطنية والعالمية، كل شيء يجري على أساس أن الحالة الاستعمارية منبوذة في علاقات الأمم إلا في إسرائيل، وأن الإبادة الجماعية ونظام الكراهية محظور أمميا إلا في إسرائيل، وأن إسرائيل هي الكيان الوحيد الذي يرمي إلى قيام دولتها على عنصر يهودي بحت، على غير ما يجري في بقية العالم. الأمر الذي يدفع إلى التفكير بضرورة تصفية الكيان الإسرائيلي على النمط الذي تمت فيه تصفية الاستعمار، بالقدر الذي بقي فيه البلد المستعمَر في أرضه والبلد المستعمِر في أرضه أيضا.
الحالة الإسرائيلية قابلة للتصفية على غرار حركة تصفية الاستعمار، بالقدر الذي يحقق وجودها في غير الأرض الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى. الأمر صار واضحا، بعد الكوارث والمدلهمات، التي تحوّل إليه شبح سياسي يتصرف كغول أمني عسكري منفلت، من مخابر الدول الغربية ذات الخلفية الاستعمارية. فالمهمة مهمة أممية على اعتبار أن قرار 181 للجمعية الأممية، هو الذي وفّر شرعية دولية لكيان غير قائم وقتها ولشعب غير موجود أصلا ولا حالا، بل صناعة واهمة تفتَّقَت عن ذهنية استعمارية غربية، على راسها بريطانيا، التي سبق لها أن احتلت عبر سياسة الانتداب التي تدير المنطقة نيابة عن عصبة الأمم، إلى أن يحين وقت استقلال شعوبها، كل ذلك في غياب تام لحالة يطلق عليها البلد الإسرائيلي، كل شيء كان واضحا في الخريطة لعصبة الأمم في ذلك الوقت.
واليوم، وبعد رجَّات طوفان الأقصى وامتداداته، يجب التفكير في تصفية الكيان الإسرائيلي، ليس عبر قرارات الأمم المتحدة، التي غالبا ما يجري في إطار الجمعية العامة، التي تبقى مجرد توصيات لا تأبه بها لا أمريكا ولا الدول الغربية المتنفذة، ولا تعني إسرائيل على وجه الإطلاق، لأنها مكرسة بقوة الغرب في الداخل الأممي. ولعلّ مقاطعة ممثل الكيان الصهيوني يوم 26 سبتمبر الماضي، وخروج كل الوفود الأممية لحظة تقديم خطابه، واحدة من الإجراءات وتصرّفات المجتمع الدولي التي تساعد على التصفية، وإذا أضيفت إليها قرارات المحاكم الدولية في محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وصدور مذكرات اعتقال لوحدات جيش الاحتلال ومطاردتهم خارج إسرائيل، علاوة على محاصرة الدول التي ترسل مواطنيها للالتحاق بوحدات الجيش العبري الصهيوني، كل ذلك يساهم كشكل من أشكال وطرق تصفية الكيان العبري، في زمن لم تعد فيه الأنظمة الاستعمارية قائمة.
التفكير في تصفية الكيان الصهيوني، هو اليوم ، أكثر من أي وقت مضى، واجب أممي من جانبين، من ناحية أن ما وصل اليه هذا الكيان من خطر، فاق كل تصور، ابسطها تحوّل ضحية الأمس إلى جلاد فاجر آثم، ومن ناحية ثانية، استدراك الأمم المتحدة عبر دول العالم كافة الذي يقارب المئتين لما فات من أخطاء وهنَّات وسوء تقدير حلّت بالهيئة الأممية خاصة، طوال تاريخها الحافل بالأحداث، مثل منح كيان سياسي لدولة غير موجودة عبر اقتراح لدولة استعمارية في حوزتها أراض عربية رسميا، ثم تنكرت وتنازلت ليهود أوروبا أرضا فوق أرض عربية، إنقاذا لهم من نزعة كراهية ومعاداة السامية الضاربة أطنابها في كل أوروبا.
تصفية الكيان الصهيوني حالة استعمارية معقدة، لأن إسرائيل كيان غريب في أصوله وفي وجوده وفي علاقاته مع سائر الدول، أبرز مظاهر غربته واغترابه في الوقت ذاته، أن هذا الكيان ليس استعمارا وفق التقاليد التاريخية، التي جرت فيها مرحلة الاستعمار، عندما كان يعني دولة رأسمالية قوية في أوروبا أرادت أن تزداد قوة وتقدما عبر البحث عن موارد جديدة خارج أوروبا على خلفية الصراعات الأوروبية الأوروبية، ومن هنا ظهرت الحركة الاستعمارية وخلفت تاريخها الخاص الذي رشَّحها في ما بعد لخوض مرحلة تصفية الاستعمار من داخل تاريخها الخاص أيضا، أي تسوية وضعية بين المستعمَر والمستعمِر على النمط الذي جرى بين فرنسا والجزائر، إلا أن الحالة الإسرائيلية حالة من صنع الغرب نفسه، ولم تكن تسوية بين مستعمَر ومستعمِر.. والبقاء على هذا الوضع الشاذ والاستثنائي هو الذي أفضى إلى ما نحن عليه اليوم من حرب إبادة تشارك فيها أوروبا الاستعمارية عبر صنيعتها في منطقة الشرق الأوسط.
في المجمل والمختصر المفيد، هو أن تصفية الكيان الصهيوني مقتضى أممي، لأن إسرائيل ليست استعمارا، كما تعاملت معه الأمم المتحدة وشرّعت لسياسة تصفية الاستعمار، وعالجت بها قضايا الوضع الدولي منذ نشأتها، بل إسرائيل كيان صهيوني أراده الغرب في أرض غير أرضه، ومن ثم، فأي تصفية استعمارية له يجب أن يفقد فيها هذه الأرض. فالكيان الذي لم تكن له أرض، لا يمكن أن تكون له أرض، لأن المستعمر الواعد والمانح لهذه الأرض قد رحل عنها، كيف لمن عهد له بأرض غيره أن يبقى فيها عنوة وعبثا.
*كاتب جزائري



