الكاتب : د . بسام سعيد
في قلب المأساة التي يعيشها أهل غزة، حيث ما زالت البيوت تعيش الحزن ، وتنوح الأرواح على الأحبة والمفقودين، يطلّ مشهد يبدو متناقضًا: حفلات الغناء، ودقات الطبول، حفلات بدأت تظهر ، وعلى أنغام اغنية ،"إسمع ياولد احنا كبار البلد ،وعريسنا زعيم من يوم ما إنولد " وسط استغراب وإستهحان البعض وقبول البعض الآخر ، هذا المشهد المربك يثير تساؤلات عميقة: هل هذا الفرح حقيقي؟ أم هو مجرّد هروب من واقعٍ لا يُحتمل؟
فمشاهد الخراب والبؤس والفقر ، والخيام مازالت ماثلة للعيان .
الغناء في الأفراح في وقتٍ كهذا، قد يُفهم على أنه تجاهل أو استهانة بآلام الآخرين، حتى لو لم يكن القصد كذلك. فالموقف الإنساني يتطلب نوعًا من التحفّظ والتعاطف، أو على الأقل تعديل المحتوى الفني بما يعبّر عن المرحلة . وبناء على ماتقدم يمكن تفسير هذه الظاهرة من منظور نفسي واجتماعيً كالتالي:
من المنظور النفسي، يمكن تفسير هذه الظاهرة بوصفها آلية دفاعية جماعية. فالإنسان حين يواجه الألم المزمن والصدمة الممتدة، يلجأ لا شعوريًا إلى ما يخفف وطأة المعاناة، حتى لو عبر سلوك يبدو متناقضًا مع حالته العاطفية. إن الغناء والرقص في ظل الحزن ليس إنكارًا للفقد، بل محاولة بدائية للحفاظ على التوازن النفسي، واستعادة بعض الشعور بالحياة في وجه الموت. إنهم يرقصون لا لأنهم نسوا، بل لأنهم يريدون ألا ينهاروا.
ولا يمكن إنكار أن الناس تحتاج أحيانًا إلى لحظات من التنفيس والراحة النفسية، خصوصًا في أوقات طويلة من الكآبة والضيق. لكن الفارق بين الفرح الشخصي الهادئ والاحتفال الصاخب العلني مهم جدًا فالهادئ مفهوم، أما الصاخب فيبدو قاسيًا أو غير لائق في زمن الجراح .
أما من المنظور الاجتماعي،
حين يعيش المجتمع في جرحٍ كبير، فإن الناس يتوقعون أن يكون الفرح والمظهر الاجتماعي متناسقًا مع هذا الوجع، لا أن ينفصل عنه. لذلك، من يغنّي في هذه الظروف قد يُنتقد بشدّة، لا لأنه فرح، بل لأنه اختار وقتًا غير مناسب للفرح العلني .
لكن المجتمع الغزي الذي عاش الحرب والموت والدمار، بات يطوّر أشكالاً جديدة من الصمود الثقافي. إن إقامة حفلة أو تشغيل أغنية تصبح نوعا من التحدي للحزن الجماعي، وإعلانًا رمزيًا أن الحياة ما زالت ممكنة رغم كل شيء ، وليس قله حياء كما يقول البعض .
الفرح هنا لا يُقاس بصفائه، بل بقدر ما يحمله من تحدٍ للواقع المظلم. إنه فرح مسروق ومجروح، يختبئ خلفه وجعٌ أكبر.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض هذه المظاهر قد تحمل أيضًا نزعة إنكار للواقع أو خدرًا نفسيًا ناتجًا عن الإرهاق العاطفي، حيث يفقد الألم معناه لدرجة تبلد المشاعر لكثرة ما تكرر، فيتحول الفرح إلى قناع مؤقت يخفي العجز واليأس واللامبالاة والاغتراب النفسى .
في النهاية، يمكن القول إن الفرح في زمن الفقد في غزة ليس فرحًا مزيفًا، ولا حقيقيًا بالكامل؛ إنه صرخة حياة وسط الركام، ووسيلة دفاع إنسانية أمام واقع لا يُحتمل. فبين الطبل والدمعة، يحاول الناس أن يتشبثوا بما تبقّى من معنى للحياة، حتى لا تبتلعهم العتمة.
مع ذلك، لا يعني هذا أن نغفل مشاعر الآخرين أو نستهين بأحزانهم. فلكل زمان ومكان أسلوبه في التعبير. يمكننا أن نفرح بتواضع، دون صخبٍ أو مظهرٍ جارح، نحفظ للمتألمين حقهم في الحزن، ونحفظ لأنفسنا حقنا في الحياة .
* أكاديمي وباحث



