الكاتب : إياد ابو روك
رغم ان صوت القصف قد خفت ورغم ان سحب الدخان بدأت تتلاشى من سماء غزة الا ان الهدوء الظاهر ليس سوى قشرة هشة تغطي جرحا عميقا ما زال ينزف في الداخل. فالحرب التي توقفت لم تتوقف في العقول ولم تنته في القلوب وما زال المواطن يعيش في حالة من الدهشة والضياع وكأنه استيقظ من كابوس طويل ليجد نفسه في كابوس اخر اسمه الواقع المرير وطابور طويل من الانتظار المتشائم والمحبط .
نحن اليوم نعيش حالة من عدم الفهم لا نعرف من اين نبدأ ولا الى اين نسير المشهد ضبابي الرؤية معدوم والامل هش مثل زجاج مكسور . كل ما يجري حولنا لا يبعث على الطمأنينة فالاتفاقات التي سمعنا عنها لم تنعكس على الارض ولم تترك اثرا في حياة الناس الذين تعبوا حتى من انتظار الفرج .. تبدو هذه الاتفاقات مجرد اوراق سياسية تم توقيعها في غرف مغلقة لا يعرف الشعب عنها سوى العناوين الكبيرة التي لا تقنع حتى بقرة غبيه.
كثير من الابرياء لا يعرفون ماذا حدث ولماذا حدث يسمعون كلمات كثيرة عن الهدنة والاعمار والمساعدات لكنهم لا يرون الا الخراب نفسه .. البيوت لم تعد المدارس مهدمة والمستشفيات نصف عاملة والناس فقدت قدرتها على الحلم نحن امام ازمة انسانية ونفسية في آن واحد المواطن لا يعرف كيف يعيش ولا كيف يخطط ليوم غد لا يعرف ماذا يريد منه العالم ولا ماذا يريد منه قادته .
المشهد السياسي اشبه بثوب قديم ممزق يحاول البعض ترقيعه بخيوط من الكلمات والخطب بينما الجرح أعمق من كل هذا .. الذين يديرون المشهد يظنون ان الشعارات تكفي وان الخطابات تشفي وان الكلام يمكن ان يعيد الحياة لمن مات لكن الناس اليوم لم تعد تصدق احدا ولم تعد تؤمن بوعود مؤقتة هزيلة لاتسمن ولاتغني من جوع !!
الحرب توقفت لكن الحرب النفسية مستمرة الخوف والقلق ما زالا يسكنان النفوس. الغزي يعيش صراعا داخليا بين الرغبة في الحياة والخوف من الغد لا يعرف ان كان سيبقى ام سيهاجر ان كان سيبني ام سيهدم مرة أخرى . يعيش في منطقة رمادية بين الموت والحياة بين الحقيقة والوهم بين الصبر والانفجار .
لكن السؤال الذي يلح علينا اليوم هو اين اصحاب القرار الذين أشعلوا الحرب هل لديهم اليوم رؤية للخروج من هذا الركام هل لديهم خطة لإعادة البناء لإعادة الانسان قبل اعادة الحجر هل فكروا في اليوم التالي للحرب ام اكتفوا بالحديث عن النصر وعن البطولة وعن التضحية . هل عندما نسألهم عن رؤيتهم نتهم اننا خونة واننا لا نفهم معنى الدم ومعنى الوطن. لماذا اصبح السؤال جريمة ولماذا اصبح النقد خيانة!!
لقد مات من مات وعاش من عاش وبقي من بقي يحمل الحزن في صدره ويحاول ان يفهم كيف يمكن ان يعيش وسط هذا الخراب .. أن خطة الانقاذ اين مشروع الحياة بعد الموت اين الاصلاح الذي وعدوا به ؟ لا شيء سوى الكلام لا خطط على الارض ولا رؤية واضحة ولا امل يلوح في الافق .
من حقنا نحن كشعب ان نسأل وان نحاسب وان نطالب بالوضوح نريد من الذين اداروا الحرب ان يقفوا امام الناس ويقولوا لهم ما الذي سيحدث في الغد ما هو مصير غزة ما هو شكل المستقبل نريد رؤية حقيقية تتحدث عن الانسان عن البناء عن التنمية لا عن الصراعات الداخلية ولا عن الانقسامات التي مزقتنا .
لا نريد رؤية سياسية ضيقة تتحدث عن السيطرة والولاءات نريد خطة وطنية شاملة تعيد للناس ايمانهم بالحياة وتعيد للأرض كرامتها وتعيد للإنسان ثقته بنفسه نريد مشروعا حقيقيا يعيد بناء المدارس والمستشفيات والبيوت نريد برنامجا اقتصاديا يخلق فرص عمل للناس لا مزيدا من الخطابات الفارغة .
الحل لا يبدأ بالاتفاقيات الخارجية ولا بالمساعدات المؤقتة بل يبدأ من الداخل من اصلاح العقل الجمعي من اعادة تعريف مفهوم الوطن والانتماء من خلق ثقافة جديدة تقوم على المسؤولية لا على الشعارات من بناء مؤسسات شفافة تحاسب الجميع من إطلاق مبادرات شبابية حقيقية تشارك في صنع القرار وتضع حد لثقافة الاحتكار .
نحتاج الى اعلام واع لا يبيع الوهم بل يقول الحقيقة نحتاج الى تعليم يربي على التفكير لا على التلقين نحتاج الى قيادة ترى الشعب شريكا لا تابع نحتاج الى رؤية تربط المقاومة بالبناء لا بالتدمير فالمعركة القادمة ليست عسكرية بل معركة وعي ومعركة تنمية .
إذا اردنا ان نخرج من هذه الدوامة فعلينا ان نعترف اولا بأن ما حدث لم يكن نصرا بل مأساة وان ما ضاع لا يمكن استعادته الا بالعقل وبالعمل وبالتخطيط . انقاذ غزة لا يكون بالكلام ولا بالشعارات بل بإعادة بناء الانسان الفلسطيني من الداخل بان نزرع في قلبه الثقة وفي عقله المعرفة وفي يده العمل .
اليوم نحن بحاجة الى رؤية شاملة تنطلق من احتياجات الناس لا من مصالح الفصائل ... رؤية تجعل الانسان محور كل شيء تنهي حالة الانقسام وتفتح افقا جديدا للمستقبل رؤية تضع التعليم والصحة والعمل في مقدمة الاولويات لا السلاح والشعار .
الوطن لا يبنى بالخطابات ولا يرمم بالصمت ولا يشفى بالنسيان ... الوطن يبنى حين تكون القيادة صادقة مع نفسها ومع شعبها حين تمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ لا شهوة التبرير حين تفهم ان دماء الناس ليست سلعة سياسية ولا وسيلة لأثبات القوة .
لقد تعب الناس من الانتظار تعبوا من الخوف ومن التكرار ومن الوعود التي لا تأتي . لقد حان الوقت ليتوقف هذا العبث ولتبدأ مرحلة جديدة يكون فيها البناء بديلا عن الدمار والوعي بديلا عن الجهل والامل بديلا عن الخوف .
ان ما بعد الحرب هو أخطر من الحرب نفسها لان الحروب تقتل الجسد اما غياب الرؤية فيقتل الروح وان شعبا بلا رؤية يعيش في العتمة الى الابد .



