الكاتب : إياد أبو روك
في خضم المآسي التي يعيشها الفلسطيني وفي عمق الجراح التي لا تندمل نحاول كثيرا أن نبحث عن الحلول أن نصل إلى جذور الأزمات وأن نجد تفسيرا لهذا الانحدار المتواصل في وعينا الجمعي رغم التضحيات والعقول النابغة والقدرات التي لا تحصى غير أننا في خضم بحثنا هذا نتغافل عن المعضلة الأكبر التي نخشى مواجهتها الا وهي الأنا .
الانا التي تسكن في كل واحد منا تلك التي تحولت من طاقة لبناء الذات إلى معول لهدم الجماعة. الأنا التي تزين لنا الوهم وتغذي فينا جنون العظمة حتى بتنا نرى أنفسنا قادة بالفطرة ومفكرين لا يخطئون وأصحاب الحقيقة المطلقة إنها نفس الأنا التي جعلتنا نؤمن أننا محور الكون وأن خلاص الأمة يبدأ وينتهي عند حدود آرائنا الفردية .
هذه الحالة من التضخم الذاتي ليست وليدة اليوم بل هي تراكم ثقافي وتعليمي ونفسي طويل المدى فحين يترسخ في وعي الطفل منذ الصغر أن الزعيم لا يخطئ وأن الأبطال هم من يتحكمون في الآخرين فإنه يكبر وفي داخله بذرة الاستعلاء وتتحول المعرفة من وسيلة للفهم إلى وسيلة للهيمنة وبذلك يصبح التعليم أداة لتعزيز الأنا بدلا من تهذيبها وتتحول القيم إلى شعارات والمبادئ إلى أدوات للمفاخرة الاجتماعية .
إن المجتمعات التي تتمتع بتعليم راسخ متوازن لا تبني في أفرادها روح التعالي بل تزرع التواضع كقيمة وجودية وتعلمهم أن العقل الجمعي يسمو على الطموح الفردي أما نحن فقد صنعنا جيلا يعرف كيف يتحدث عن المجد لكنه يجهل كيف يصنعه جيلا يحفظ أسماء القادة لكنه لا يعرف معنى القيادة الحقيقية القائمة على المسؤولية والتضحية .
من منظور نفسي فلسفي يمكن القول إن جنون العظمة الجمعي الذي ينتاب مجتمعاتنا هو في جوهره آلية دفاع لا شعورية ضد الإحباطات التاريخية فحين يعجز الفرد أو الجماعة عن تحقيق التقدم الحقيقي يعوضون ذلك بتضخيم الذات وهنا تتحول الأنا العليا من ضمير أخلاقي موجه إلى سلطة داخلية قاسية تفرض صورة مثالية زائفة عن الذات فيعيش الفرد صراعا بين واقعه المتواضع وصورته المتخيلة عن نفسه فيلجأ إلى الإنكار والتمجيد والادعاء بدلا من الاعتراف والعمل والإصلاح .
وهنا تعالوا نستذكر الحرب الأخيرة على غزة إن نظرت إليها بعين العقل قبل العاطفة ستجد أن جنون العظمة كان حاضرا في المشهد بأقسى صوره وأن الأنا الفردية في اتخاذ القرارات هي التي سيطرت على الميدان ... قرارات غير محسوبة لم تحم الشعب ولم تستند إلى رؤية مؤسساتية ناضجة بل إلى اندفاعات شخصية وقرارات مغلقة لا تنتمي إلى فكر منظم أو إلى تعليم حقيقي حين تتحول السلطة إلى فرد وحين تمنح القرارات المصيرية لشخص واحد يملك الكلمة المطلقة فإن النتيجة الحتمية هي الدمار والهلاك أي مجتمع تبنى سياسته على الفرد لا على المؤسسة مصيره الفشل مهما بدا قويا لأن الفرد مهما عظم يبقى محدود الرؤية أما المؤسسة فهي عقل الأمة ومصدر اتزانها وما الحرب الأخيرة إلا مثال حي على كيف يمكن للأنا السياسية أن تدمر مجتمعا بأكمله حين تتحكم بالقرار وتغيب عنها روح الشورى والعقل الجمعي .
لكن الاعتراف هو أول طريق العلاج أن نقف أمام المرآة ونسأل أنفسنا بصدق لماذا نريد أن نكون جميعا قادة لماذا نخشى أن نكون تابعين ولماذا نرى في التعاون ضعفا وفي التواضع هزيمة ... إننا حين نعترف بخللنا الجمعي نتحرر من سطوة الأنا الزائفة ونبدأ في بناء إنسان جديد يرى في القيمة الأخلاقية معيارا للنجاح لا في عدد الأتباع ولا في حجم النفوذ .
إن التعليم في صورته المثلى لا يبدأ من تمجيد الماضي ولا من سرد بطولات الأجداد بل من غرس القيم الإنسانية والضمير الأخلاقي حين نتعلم أن الاحترام لا يورث بل يكتسب وأن العظمة الحقيقية هي في خدمة الناس لا في التسلط عليهم عندها فقط يمكن أن نقول إننا نخطو نحو نهضة حقيقية .
الفلسطيني الذي حمل الوجع جيلا بعد جيل لا يحتاج إلى زعيم جديد بقدر ما يحتاج إلى مواطن جديد يعرف كيف يحب وطنه دون أن يحتكر تعريف الوطن ويعمل بصمت دون أن يبحث عن تصفيق وحين نتجاوز الأنا ونتحرر من جنون العظمة سنكتشف أن طريق التحرر لا يمر عبر الشعارات بل عبر تربية جديدة وتعليم جديد وإنسان جديد ووطن يجمع الجميع تحت الحب والعطاء والوفاء والازدهار والتقدم والتواضع والرقي بمستقبل أطفالنا وشبابنا.



