الكاتب : جمال زقوت
بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة في قطاع غزة، بات من الواضح أن الكارثة تجاوزت الخسائر المادية والبشرية إلى مخاطر تدمير الإنسان والمجتمع. ففي الوقت الذي تشير فيه تقديرات الأمم المتحدة ووزارة الصحة الفلسطينية إلى أن ضحايا الإبادة بلغوا نحو ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجريح ومفقود، وتدمير ما يزيد على 90٪ من المساكن والبنى التحتية وفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ووكالة الأونروا، فإن هذه الأرقام لا تعكس إلا جانبًا من مأساة أعمق، حيث أصبح الخوف والصدمة واليأس جزءًا من الحياة اليومية. فالطابع الانتقامي لهذه الإبادة، الذي استهدف كسر الروح الوطنية وتفتيت المجتمع الفلسطيني، يعكس استراتيجية ممنهجة لتدمير مستقبل الإنسان والمجتمع معًا، وترتكز إلى إغراق الفلسطينيين في سلسلة لا نهائية من المعضلات، وعدم تمكينهم من التغلب عليها، كي يظلّ ما تسميه حكومة تل أبيب “الهجرة الطوعية” هدفًا قائمًا، رغم فشلها في تحقيقه حتى الآن.
جيل الأطفال المهدَّد ...
تشير الدراسات الميدانية الصادرة عن منظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children) واليونيسف إلى أن أكثر من 80% من الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية شديدة تشمل الكوابيس المتكررة، والانطواء، والسلوك العدواني. يشعر الأطفال بأن الموت وشيك، ويعانون من فقدان القدرة على اللعب الطبيعي والتعلّم. هذه الصدمات المبكرة تهدد النمو المعرفي والاجتماعي للأطفال، وتشير إلى احتمالية استمرار أجيال كاملة في مواجهة تبعات نفسية واجتماعية طويلة المدى.
انهيار النسيج الاجتماعي ...
ترافقت الإبادة مع تدمير البنى الاجتماعية التقليدية. فالنزوح المتكرر، وفقدان المساكن ومصادر الرزق، أدّيا إلى تفكك الأسرة والمجتمع المحلي. ارتفعت معدلات العنف الأسري، وانتشرت ظواهر التشرد، كما تراجع الإحساس بالثقة بالمؤسسات الرسمية والعامة والأهلية، ما جعل المجتمع يعيش في عزلة متبادلة، وكل فرد يواجه مخاطر البقاء يوميًا بمفرده. هذا الانكسار الجماعي يهدد استمرار النسيج الاجتماعي ويفاقم شعور الفلسطينيين في القطاع بالعجز والخذلان، كما تؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) حول أثر النزاعات الممتدة على التماسك المجتمعي.
انهيار النظام الصحي النفسي ...
وفق تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تعرّضت المراكز والمستشفيات النفسية لدمار واسع، فيما يجعل نقص الكوادر والموارد تقديم الرعاية النفسية بشكل منتظم شبه مستحيل. حتى العاملون الصحيون يعانون مما يُعرف بـ”الاحتراق المهني” والصدمة المتواصلة، ما يحدّ من قدرتهم على تقديم الدعم الضروري للناجين. هذه الأزمة تجعل المجتمع أقل قدرة على معالجة الصدمات النفسية والاجتماعية طويلة الأمد.
الصدمة خارج القطاع ...
لا تقتصر آثار حرب الإبادة على قطاع غزة وحده، بل تمتد إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية، والداخل، ومخيمات الشتات. الإحساس بالعجز والخذلان والذنب يولّد جروحًا نفسية إضافية، ويؤدي إلى تراجع الثقة الوطنية بين التجمعات المختلفة. تصبح غزة مرآة صادمة تعكس حدود القدرة على حماية الإخوة، ما يزيد من ضعف الهوية الوطنية الجامعة، ويجعل إعادة بناء التضامن الاجتماعي أكثر صعوبة. وقد حذّرت دراسات المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية (PCPSR) من تراجع مؤشرات الثقة واللحمة الوطنية بعد الحرب.
خطر طويل المدى ...
في غياب تدخل منسّق وفعّال، ستبقى آثار الحرب ممتدة لعقود: انخفاض الإنتاجية المجتمعية، تفشي الاضطرابات النفسية المزمنة، تدهور قدرات التعلم، وزيادة معدلات الإدمان. وتشير دراسات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الصدمة المتواصلة تهدد القدرة على إعادة الإعمار واستدامة المجتمع، وتغذي الدورات الانتقامية السياسية والاجتماعية، مما يجعل أي أفق مستقبلي هشًا وغير مضمون.
ما العمل؟ ...
رغم محدودية الموارد، نجحت بعض البرامج في التخفيف من الآثار النفسية، مثل جلسات الدعم الجماعي داخل مخيمات وملاجئ النزوح، لكن المطلوب الآن يستدعي تحولًا جذريًا من الإسعاف إلى إعادة البناء النفسي والاجتماعي كمكون جوهري عاجل في أي خطة لإعادة الإعمار. وهي لا يمكن أن تنتظر مؤتمرات الإعمار، بل تستدعي البدء الفوري بعمل جدي لاستمرارية الرعاية الصحية والنفسية، وتوفير برامج دعم الأطفال داخل المدارس والملاجئ لإعادة الأمل والقدرة على التعلّم، وصون روح الطفولة.
كما يتوجب دعم العاملين الصحيين نفسيًا ومهنيًا، واستعادة شبكات الحماية الاجتماعية والمبادرات الثقافية لإعادة الإحساس بالكرامة والانتماء الوطني. ويضاف إلى ذلك تعزيز مبادرات التواصل الاجتماعي والثقافي والتربوي بين جميع التجمعات الفلسطينية لكسر الشعور بالعزلة وإحياء روح التضامن.
التواطؤ والعجز الدوليين ...
لا يمكن فصل مأساة غزة عن التواطؤ الدولي الذي سمح باستمرار الإبادة دون مساءلة. فالعجز الدولي، أو الدعم المباشر أو الضمني، يزيد من عمق الأزمة النفسية والاجتماعية، كما أكدت تقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية حول مسؤولية الدول في منع الإبادة الجماعية.
وفي المقابل، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية لإلزام حكومة الاحتلال بوقف العمليات العدوانية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي.
تفعيل هذه المسؤولية شرط أساسي لبدء لملمة جراح الفلسطينيين واستعادة ثقتهم بالعدالة الدولية، سيّما أن إسرائيل أدارت ظهرها بالكامل، بمساندة واشنطن وبعض العواصم الغربية، لمجمل قرارات المحاكم الدولية، الأمر الذي أظهر عجز المنظومة الدولية برمّتها.
التوافق الوطني كشرط للصمود ...
إعادة إعمار القطاع وخلق بيئة كفيلة بمعالجة التداعيات النفسية والاجتماعية في غزة لا يمكن أن تنجح دون توافق وطني يعيد بناء العقد الاجتماعي برمته، بما يضمن حماية السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي، ويعيد الثقة بين الفلسطينيين في الداخل والخارج على حد سواء.
بدون هذا التوافق، وفي ظل تمسّك حكومة تل أبيب بمسار تفتيت المجتمع الفلسطيني وعزل القطاع عن محيطه الوطني، والمماطلة في توفير الإيواء الكريم وعرقلة الإعمار، ستظل جهود الدعم النفسي والاجتماعي محدودة التأثير، وستستمر آثار الإبادة على الهوية الوطنية وعلى قدرة المجتمع على الصمود.
إن الطريق إلى إحياء الأمل لشعبنا في القطاع وخارجه يستدعي استنهاض ليس فقط طاقات الشعب الفلسطيني كافة، بل الاندماج الفعّال مع حركات التضامن الشعبي في مختلف بلدان العالم، من أجل معالجة الآثار التي ولّدها الشعور بالخذلان، وترسيخ القناعة بأنّ التضحيات الكبيرة التي قدّمها شعبنا في القطاع لن تذهب هدرًا، وأنه من غير المسموح تبديدها في صراعات فئوية ثانوية تعرقل مسار مساءلة المجرمين والانتصار للضحايا.
تلك الأولويات تستدعي من الأطراف المهيمنة على المشهد الانصياع للإرادة الشعبية وصوت الضحايا، والذهاب فورًا إلى بناء مؤسسات وطنية جامعة، وفي مقدمتها حكومة توافق وطني انتقالية، تمهيدًا لإجراء الانتخابات في مدى زمني متفق عليه.
هذه الخطوة كفيلة بإعادة مكانة المواطنة إلى جوهر العقد الاجتماعي والأهداف الوطنية، وهي الكفيلة بإشراك المواطنين في بناء مستقبلهم الذي يبدأ بإعادة بناء الإنسان، ويضمن وحدة المجتمع ويصون قيم التضامن والكرامة.
فالإنسان الفلسطيني، بروحه وثباته، هو الركيزة الحقيقية لأي مستقبل قابل للحياة، وأي خطة دون صون الإنسان ستكون ناقصة، وستظل جراح غزة مفتوحة أمام الضمير العالمي.
فغزة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة بناء الروح التي حاولت الإبادة سحقها.



