الكاتب : الاسير المحرر باسم خندقجي
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول من عام 2023، والاسرى الفلسطينيون في سجون الاستعمار الصهيوني يتعرضون لسياسات القتل المبتكرة، في إطار حملة الإبادة الشاملة على المستويات كافة، التي تشنها دولة الاستعمار ضد الشعب الفلسطيني، إذ أنه لطالما عانى الأسرى في السجون من عدة سياسات وإجراءات تعسفية ووحشية أهمها، حرمانهم من التواصل والاتصال مع العالم الخارجي وتعذيبهم وضربهم وتجويعهم وإقحامهم في ظروف قاهرة لا تقيهم برد الشتاء، ولا حر الصيف، وإلى جانب كل هذه الإجراءات، ثمة إجراءات وسياسات جديدة ومبتكرة، تمارسها مصلحة السجون الصهيونية اليوم ضد الأسرى الهدف منها تفكيك إنسانية الأسير الفلسطيني، وقد تكون السياسة الأهم التي اعتمدتها الدولة الاستعمارية، هي عزل الأسير الفلسطيني وحرمانه من زمنه العادي والطبيعي خارج أسوار السجن، بالإضافة إلى انتزاع ومصادرة عمره واحتجاز زمنه الخاص، بل إبادته . ومن هنا تعمد مصلحة السجون الصهيونية المدعومة من قبل ما تسمى بمنظومة القضاء الصهيونية، إلى فصل الأسير الفلسطيني عن عمره وزمنه الشخصيين، وإحالته إلى مجرد رقم أو حالة، بل تصنيفه كأسير وعندما تجري عملية تصنيف الفلسطيني كأسير، فإن هذا ما يكفل من وجهة النظر المعرفية الصهيونية، إمكانيات التخلص والإقصاء والإبعاد بما يؤدي بالنهاية إلى سحق ومصادرة عمر هذا الأسير.آلاف السنوات قامت دولة الاستعمار الصهيوني بإبادتها. سنوات الفلسطينيين والفلسطينيات، الذين اعتقلوا وما زالوا معتقلين في السجون الصهيونية وهذا ما يؤكد مدى هوس هذه الدولة بسياسات وتقنيات التحكم والسيطرة، والسعي الدائم نحو اختراق كل ما يتعلق بالفلسطيني والفلسطينية في كل المجالات والمستويات التي تتراوح بين المادي والملموس، وبين المثالي واللاملموس، حيث إن إبادة عمر وزمن الأسير والأسيرة، يأتي في سياق الإبادة الشاملة التي تجري عملية تغذيتها وتعزيزها عبر تطوير قدرات وسياسات مبتكرة تنخرط في تفكيك إنسانية الفلسطيني ليصبح مجرد كائن بلا ملامح ولا اسم، وبالتالي بلا هوية. وليس مصادفة أن تقوم مصلحة السجون الصهيونية بإحالة الأسرى الفلسطينيين إلى مجرد أرقام متسلسلة، مصرة كل الإصرار عبر سجانها على رفض مخاطبتهم بأسمائهم، إذ إنها وبعد الإمعان في إبادة زمن الأسير، تصبح عملية تشييئهم الاستعمارية سهلة، وبالتالي تحقيق الهدف النهائي، إلا وهو الخلاص من الفلسطيني وكتم صوته كضحية، ورفض التعامل معه كإنسان.
أن يحوز الأسير الفلسطيني على عمره وملامحه وزمنه ووجهه، فإن هذا يعني قدرته على بلورة وصياغة هويته بما يؤدي إلى صقله لمرآة، لطالما سعى المستعمر السجان الصهيوني إلى تحطيمها وتشويهها، لكيلا يرى ذاته بها، مرآة من زمن وهوية تعني إنسانية وحياة، وجدوى معينة لسنين تحتجزها دولة الاستعمار وتصادرها، ولكيلا يرى الصهيوني وجهه المشوه في مرآة الفلسطيني، فإنه يهرع بمبالغة لا محدودة نحو تجديد وتطوير أدوات وسياسات سيطرته، ومن أهم هذه الإجراءات أيضا إعلان حالة الطوارئ في زمن الحرب. هذه الحالة التي يجري بها تعطيل مجريات الزمن العادي وخلخلة محددات التاريخ الإنساني.
وبعكس ما كان يطمح إليه والتر بنجامين، من وراء إعلان حالة الطوارئ في التاريخ لتخليص الإنسان من المعاناة والظلم والاضطهاد، فإن الصهيوني يعلن حالة الطوارئ الاستعمارية، لكي يجمد حركة الفلسطيني ويصادرها ماديا، وإبادة وقته وزمنه وعمره معنويا بما يؤدي في النهاية، إلى إقصاء الفلسطيني عن متن التاريخ ككائن أقل من إنسان، ويصبح الفلسطيني، حسب وصف الأسير الشهيد وليد دقة، «زومبي تاريخي»، أو في منزلة بين المنزلتين، ليس إنسانا وليس حيوانا إنما هو كائن معين كائن لازمني. لا تاريخي. بلا صوت وذاكرة وملامح وهوية وهذا هو دأب دولة النظام الصهيوني الاستعمارية، ألا وهو الإمعان في تفكيك إنسانية الفلسطيني، ولكي يستعيد الفلسطيني ملامحه وعمره وهويته في كل أبعادها خاصة الزمنية، فإنه يتوجب عليه إعلان حالة الطوارئ من جهته هو أيضا، ولكنها حالة طوارئ يطالب من خلالها بإنسانيته وزمنه ويجابه ويقاوم السياسات الحيوية المبتكرة كافة، التي يمارسها الصهيوني ضده .
إن حالة الطوارئ التي يتوجب إعلانها الآن من قبل كل الذين يؤمنون بالإنسانية ومعاداة العنصرية والفاشية والاستعمار، ستكفل حتما إدراج قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية في سياق ملاحقة إسرائيل في ما يتعلق باقتراف الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة تحديدا، بحيث يجري اعتماد مفهوم الإبادة الزمنية كأحد أركان الإبادة المعنوية، أو القتل المعنوي بالأحرى، حيث إن الفلسطيني لا يقتل ماديا فقط مدرجا بدمائه وأشلائه، بل يباد زمنيا أيضا، وتسليط الضوء بصورة مغايرة على ما يحدث يوميا في فلسطين المستعمرة، يفتح المجال أمام سحب مفهوم الإبادة الخاص بالقتل المباشر على مستويات إبادة أخرى مثل الإبادة المكانية الخاصة بتغيير المشهدية الجغرافية للفلسطيني، وإبادة الحركة، أي تعطيل وشل حركة الفلسطيني بهدف مصادرة وقته وجعله كائنا متخلفا زمنيا عن تاريخ وزمن العالم المعاصر والمتقدم، وعندما تجري عملية تصنيف ما يحدث في فلسطين على أنه إبادة شاملة، فإن هذا لا يعني الهوس بتفاصيل الإبادة، بل التأكيد على أهمية قراءة المشهد الاستعماري في فلسطين بصورة مغايرة ونقدية حادة، بما يكفل ليس فضح ممارسات المستعمر الصهيوني فحسب، بل بلورة وصقل تلك المرآة مرآة الانسانية التي لا تعكس ملامح الصهيوني البشعة فحسب، بل تصرخ به كفاك غطرسة وعنجهية باسم الضحية التي كنتها يوما، فاليوم ثمة ضحية أخرى تسعى نحو استعادة إنسانيتها ضحية لا تطمح لأن تكون جلادا، بل إنسانا.



