الكاتب : أحمد دخيل
باسم الألم الذي لا يرحم، وباسم الحياة التي ترفض أن تستسلم، وباسم الكرامة التي لا تذبل مهما جافاها الاحتلال...
منذ اللحظة الأولى لعدوان غزة، لا تتوقف عيناي عن متابعة الأحداث، ولا أتابعها بعيني فقط، إنما بروحي التي تشعر بكل شهيد وكل جريح، بكل أم فقدت فلذة كبدها.
أتابع الحدث وأتساءل: أين كنا؟ أين نحن اليوم؟ وكيف حالنا بين الرماد والجروح التي نكاد ننسى أنها من الماضي، لكنها لا تزال تؤلمنا أكثر من جروح الحاضر؟
اليوم، في هذه اللحظات المأساوية، يجب ألا نكون مجرد متفرجين. نحن لا نعيش فقط من أجل الحاضر، لكننا أيضًا يجب أن نعي المستقبل الذي نحتاج إلى بنائه سوياً. نتحدث عن سلاح سيُسلّم، فما هي جدوى وجوده إن لم يحم شعبنا، وعن سلطة ستُشارك، و هناك ممثل شرعي وحيد يملك شرعيته منذ ما يقارب النصف قرن، وعن مستقبل يمكن أن نراه بأيدينا. لكن السؤال الأهم: ما هي الروح التي ستملأ هذه الأرض؟ وأي قلب يمكن أن يصدق بعد كل هذا الدم الذي جرى؟
منذ أن شهدنا انقسامنا المؤلم في 2007، كانت الدروس قاسية. لقد كان ذلك الجرح في جسدنا الفلسطيني واحدًا من أصعب الفصول التي مررنا بها، وما زالت عواقبها تلقي بظلالها على حياتنا. من عمل على الانقسام ورعاه يتحمل مسؤولية ما حدث، لكن اليوم لا وقت للجدل. اليوم نحتاج إلى أن نتحد جميعًا، وراء راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي لشعبنا، والتي قادت نضالنا على مدى عقود، ولا تزال تفتح آفاق الأمل لتحقيق دولتنا المستقلة، حتى في أصعب الظروف.
ومنذ أن جاء طوفان السابع من أكتوبر، الذي اختلط فيه الحزن بالدمار، والدم باليأس، يجب أن نتذكر أننا، كفلسطينيين مهما تباينت آراؤنا واختلفت توجهاتنا السياسية، لدينا هدف واحد لا يمكن أن نساوم عليه: تحرير فلسطين. وإن كنا عجزنا عن كسر قيود الاحتلال مبدئيًا، يجب أن نكسر نحن جميعًا قيود الانقسام الذي أضعفنا فورًا، ونبني جسرًا يربطنا لتحقيق الهدف الأسمى، ألا وهو الحرية.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا: لماذا لم نتفق جميعًا على المشروع الوطني منذ البداية؟ لماذا لم نتحرك ككل وبكل قوتنا منذ أن بدأنا مسار الدولة؟ و لمصلحة من تأخر البعض في اتخاذ قرارات حاسمة و العودة للبيت الفلسطيني؟ ولماذا أصبح هناك طرف يتعامل مع فلسطين وكأنها ملكه الخاص؟ يجب على هؤلاء تجاوز النظرة الحزبية الضيقة، لأن فلسطين، كل فلسطين، تحتاج منا الوحدة والتضحية من أجل حريتها.
اليوم، وفي خضم هذه المحنة التي يعيشها قطاع غزة وكل فلسطين، لا يمكننا تجاهل الحقيقة المرة: أن الوحدة الوطنية هي السبيل الوحيد للتقدم. هذه الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال حوار وطني شامل يشمل جميع الفصائل الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، التي تمثل الفلسطينيين في كل مكان، سواء في الضفة الغربية أو غزة أو الشتات.
غزة اليوم، هي رمز لصمود شعبنا، ولكن لا يجب أن تظل معزولة. يجب أن تكون غزة جزءًا من مشروع فلسطين الكبير الذي تقوده منظمة التحرير، ولا يجوز العبث بوحدانية هذا التمثيل. شعبنا الفلسطيني لا يحقق حلمه في النصر فقط من خلال العسكرة في ظل موازين القوى الحالية، لكنه يستطيع ذلك من خلال تحقيق الوحدة الوطنية الشاملة، التي تفتح لنا الطريق نحو هدفنا الأسمى: الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشريف.
أكتب هذه الكلمات، وأنا أعلم أنها لا تعيد لنا الشهداء، ولا تواسي الأمهات الثكالى، ولا تزيل الألم. لكن تبقى الكلمات وسيلة للتأكيد على أننا، رغم كل هذا الظلام، ماضون في درب النضال. سنظل موحدين، ومتطلعين إلى غدٍ أفضل. غدٍ ستكون فيه فلسطين حرة، سيدة، قائمة على عرش التاريخ.
غزة تموت وتنهض من جديد كل يوم... فلنبقَ نحن معًا، نعيش مع فلسطين في كل لحظة، دون أن نتركها تموت بعد كل ولادة جديدة.



