الكاتب : د .بسام سعيد
في السنوات الأخيرة، بات المشهد العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص يعكس ظاهرة لافتة تستحق التوقف والتحليل: رفض أو التشكيك في كل جهد أو إنجاز يقدم من قبل الجهات الرسمية أو المؤسسات العامة أو حتى الخاصة ، ما إن يُعلن عن مشروع جديد، أو تطوير لخدمة عامة، حتى تتدفق التعليقات الساخرة والاتهامات الجاهزة المعلبة ، والتي نقرأها ونشاهدها في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي اتاحت للجميع الكتابة والتعليق بدون ضابط او رقيب ، وكأن هناك قناعة مسبقة بأن كل ما يصدر عن الجهات الرسمية محكوم بالفشل أو الغش والفساد .
هذه الحالة ليست سطحية أو عابرة، بل تعود جذورها إلى تراكمات نفسية واجتماعية وسياسية تراكمت عبر عقود، حتى أصبحت جزءًا من المزاج العام ويمكن تفسيرها بالشكل التالي :
أولاً: فقدان الثقة والإحباط المتراكم والاغتراب . فالإنسان العربي عاش طويلاً في دائرة الوعود والوعود غير المنفَّذة، فكوّن داخله ما يسميه علماء النفس بـ “العجز المكتسب”، أي الإحساس بأن الجهد لا يؤدي إلى نتيجة أو كما يقال حكي جرائد !
ومع تكرار الخيبات، أصبح الرفض والسخرية آلية دفاع نفسي لحماية الذات من خيبة أمل جديدة. لذا، حتى حين يظهر مسؤول كفء أو مشروع ناجح، يجد نفسه في مواجهة جدار من الشك لا علاقة له بأدائه الشخصي بل بالتوقعات المسبقة يتساوى الصالح والطالح فى الاتهام .
ثانيًا: ثقافة التعميم وضعف الاعتراف
من السمات المتجذرة في الخطاب الاجتماعي العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص التعميم والانفعال بدل التحليل والتمييز. فخطأ مسؤول واحد يُعمَّم على مؤسسة بأكملها، وتقصير جهةٍ ما يُنسَب إلى “المنظومة كلها”، وفساد مسؤول واحد ينسب الى المنظومة كلها ، إلى جانب ذلك، تضعف في ثقافتنا فضيلة التقدير والامتنان؛ فالشكر يُفسَّر أحيانًا على أنه تملّق او نفاق ، بينما في المجتمعات الناضجة يُعتبر التقدير جزءًا من الوعي المدني وسلوكًا بنّاءً يشجّع على مزيد من العمل والإنتاج والتحفيز الايجابي .
ثالثًا: الإرث السياسي والإعلامي
لا يمكن إغفال الأثر العميق لعقود من غياب الشفافية والمشاركة الشعبية، حيث اعتاد المواطن أن يتلقى القرار ويمرر اليه دون أن يشارك في صنعه. هذا البعد التاريخي جعل الثقة بين المواطن والدولة هشّة، وفتح الباب أمام الشك المسبق فى كل قرار أو عمل ، يضاف إلى ذلك فقدان الإعلام الرسمي الحكومي لجزء كبير من مصداقيته في نظر الجمهور، حتى صارت الأخبار الإيجابية تُستقبل بعين الريبة ومدعاة للتندر لا الفرح والفخر وفقا للانطباعات المسبقة .
إذن مالعمل ؟ وكيف نخرج من هذه الثقافة المشوهة ؟ الجواب :
لكي نخرج من دائرة الشك والريبة والتقليل من شأن ماينجز او يقال فإن ذلك لا يتحقق بالدعوة إلى الصمت أو الطاعة أو التسليم ، بل بنشر ثقافة جديدة تقوم على النقد الواعي والامتنان المنصف لجهود الآخرين،
فكما أن من حق المواطن أن ينتقد الفشل ويحاسب المقصرين، من الواجب أيضًا أن يقدّر الجهد الصادق المخلص ، ويشكر النجاح والإنجاز حين يتحقق. وتأسيسا على ماسبق يمكن القول إن المجتمعات لا تبنى بالرفض الدائم والتشكيك والتقليل من جهد الآخرين، بل بالتوازن بين العقل الناقد والقلب المنصف والثناء على الجهد الإيجابي .
إن استعادة الثقة تبدأ من إعادة تعريف “الانتماء”: أن يشعر المواطن أنه شريك لا متفرج، وأن يرى في إنجاز وطنه امتدادًا لجهده هو .
فقط عندها، يتحول الشك من عادة إلى وعي، والرفض من ردّ فعل إلى نقد بنّاء، هكذا تبنى الأوطان وهكذا يرتفع منسوب الانتماء حتى لا يتحول الوطن الى بيئة طاردة لأبنائه .
* أكاديمي وباحث من غزة



