الكاتب : إياد ابو روك
خنتم الوطن عندما حولتم قضية فلسطين من مشروع وطني جامع إلى ساحة صراعات داخلية تدار أحيانا بحسابات ضيقة وتختزل فيها المصلحة الوطنية في شعارات حزبية مؤقتة. خنتم المواطن حين جعلتم حياته رهينة قرارات تعسفية لا تراعي كرامته ولا مستقبل أبنائه حين أصبح الأمن كمينا والغذاء أمنية والرعاية الصحية حلما بعيد المنال وخنتم الرئيس حين قوضتم مكان المؤسسة وشرعيتها وهجرتم الثقة التي بناها شعب على مدى عقود فتركتم فراغا سياسيا خطيرا سده الآخرون بما يخدم حساباتهم الإقليمية والدولية .
هذه ليست كلمات انفعال بل توصيف دقيق لواقع مرير نعيشه جميعا . الاعتراف بالهزيمة التي وصلنا إليها ليس انكسارا أخلاقيا بل هو الشرط الأول لأي عملية إنقاذ وطني حقيقية فالهزيمة الحقيقية ليست في الخسارة بل في الإنكار والعناد .
على مدار عقود شيد المشروع الوطني الفلسطيني على تضحيات ورؤى واضحة قادها الشهيد ياسر عرفات وواصلها الرئيس محمود عباس بعقلانية وحنكة سياسية نادرة كانت تلك الرؤية تتجلى في الحفاظ على الثوابت الوطنية مع إدراك ذكي لموازين القوى الدولية والسعي لتكريس الوجود الفلسطيني على الساحة السياسية والدبلوماسية لا على هامشها . كانت المقاومة حينها متكاملة مع السياسة وكان القرار الوطني يصدر من مرجعية واحدة تحفظ وحدة الشعب وكرامته .
لكن حين اختارت حركة "حماس" طريق الانفراد بالقرار متذرعة بشعارات ثورية لا تستند إلى مشروع وطني متكامل بدأ التآكل الحقيقي. ما بدا في البداية خلافا سياسيا سرعان ما تحول إلى انقسام بنيوي خطير دمر النسيج الاجتماعي وأضعف قدرة الفلسطينيين على الصمود أمام الضغوط الإسرائيلية والدولية ومع مرور السنوات تحول هذا الانقسام إلى جرح مفتوح نازف لم يعد بالإمكان تجاهله امتد وامتد حتى استفحلت "حماس" في قراراتها والنتائج ابادتنا كلنا وجميعنا تضرر .
إن المقاومة في جوهرها وسيلة شريفة حين تمارس بحكمة ووعي ومسؤولية وطنية لكنها حين تختزل في منطق القوة المجردة دون رؤية سياسية واضحة تتحول إلى عبء على القضية نفسها فما جدوى المقاومة إن كانت نتائجها دمارا للبنية التحتية وسقوطا للمدنيين وتراجعا للمكانة الدبلوماسية التي تحققت عبر عقود من العمل السياسي ؟ الفعل المقاوم الذي لا يوازن بين التضحيات الميدانية والمكاسب السياسية يتحول إلى انتحار جماعي لا إلى تحرير حقيقي .
لقد حذر الرئيس محمود عباس مرارا من هذا المسار العبثي وتمسك برؤية واقعية تحفظ الأرواح وتحمي الشعب من عدو له تاريخ مروع كي تبقى القضية الفلسطينية حية في المحافل الدولية . كان يؤمن أن العقل والحكمة أقوى من الانفعال والشعارات وأن بقاء القرار الفلسطيني مستقلا هو الضمانة الأولى لصمودنا .
لكن هذه الرؤية العقلانية أثارت ذعر حكومة نتنياهو التي رأت في الرئيس محمود عباس عقبة سياسية خطيرة أمام مشروعها التوسعي . نتنياهو وحكومته كانوا يدركون أن قوة "أبو مازن" تكمن في دبلوماسيته لا في سلاحه وفي قدرته على تفكيك الرواية الإسرائيلية بالحجة والقانون . لقد اعتبروا أن هذه الدبلوماسية الهادئة أخطر على إسرائيل من أي مواجهة عسكرية لأنها تفضح الاحتلال أمام العالم وتضعه في زاوية القانون الدولي .
ومن المفارقات المؤلمة أن الموقف الإسرائيلي هذا تماهى بقصد أو بغير قصد مع موقف حركة "حماس"، فكل منهما حارب الرئيس عباس بطريقته نتنياهو خشي من حكمته و"حماس" خافت من شرعيته وكأن الطرفين رغم اختلاف منطلقاتهما التقيا في هدف واحد وهو إضعاف القيادة الفلسطينية الشرعية وإسقاط المشروع الوطني الذي جمع الفلسطينيين يوما تحت راية واحدة .
اليوم يتمدد نتنياهو في الأرض ويقتحم المسجد الأقصى بوقاحة غير مسبوقة مستغلا الانقسام الفلسطيني كفرصة ذهبية لتكريس الاحتلال وتهويد القدس وما كان له أن يفعل ذلك بهذه الجرأة لولا انهيار وحدة الموقف الوطني وتراجع مكانة السلطة التي أضعفت عمدا من الداخل والخارج .
إضعاف السلطة الوطنية وتهميش القيادة الشرعية لم يكن مجرد خطأ سياسي بل خطيئة وطنية فالسلطة رغم كل التحديات التي واجهتها كانت الإطار المؤسسي الذي يربط الداخل بالخارج ويحافظ على الحد الأدنى من حضور فلسطين السياسي أما حين حلت محلها سلطة الأمر الواقع التي فرضها الانقسام تلاشى التمثيل الشرعي وظهرت القوى الإقليمية والدولية كأوصياء على الشعب الفلسطيني يقررون مصيره وفق مصالحهم لا وفق إرادته .
وها نحن اليوم نعيش وصاية كاملة وتبعية اقتصادية وسياسية مؤلمة بعدما فقدنا القرار الفلسطيني المستقل الذي دافع عنه عرفات وعباس لعقود لقد تماهت حماس بقصد أو بغير قصد مع المشروع الإسرائيلي في إضعاف السلطة الوطنية وأدخلت غزة في عزلة خانقة جعلت من المعاناة اليومية نمط حياة لا يحتمل وكذلك الحال في الضفة حيث باتت السلطة تحارب من داخلها ومن خارجها في آن واحد .
ومع ذلك فإن الاعتراف بالخطأ لا يعني جلد الذات بل الرغبة في التصحيح . الاعتراف الصادق هو بداية الإصلاح والاعتراف الجماعي هو الطريق للمصالحة الحقيقية والمصالحة لا تبنى بالشعارات بل بالآليات العملية التي تضمن الشفافية والمساءلة وتعيد بناء المؤسسات على أسس وطنية لا فصائلية . ومن مصلحة الشعب الفلسطيني اليوم أن تسلم حماس إدارة الشأن العام للرئيس المنتخب والقيادة الشرعية وأن تعترف بفشل مشروعها الأحادي الذي أدخلنا جميعا في دوامة من الألم والانقسام .
إننا بحاجة اليوم إلى الرئيس محمود عباس ورؤيته الوطنية المتوازنة رؤية تدرك أن طريق التحرير لا يمر بالدم وحده بل بالعقل والدبلوماسية وأن الحفاظ على حياة الفلسطينيين هو جزء من الحفاظ على قضيتهم .
الوقت ليس وقت خطابات انتصارية تجمل الهزيمة بل وقت الاعتراف والمحاسبة والعمل الجاد . آن الأوان لوقف المزايدات الإعلامية والسياسية التي تقتل فرص الحوار ولإدراك أن منطق حركه حماس أنا ومن بعدي الطوفان لم يحم يوما قضية بل دمر أوطانا بأكملها . فلسطين ليست ملكا لحركة ولا لفصيل بل ملك لشعبها الذي يحق له أن يحيا بكرامة وسلام وعدالة .
أمامنا الآن طريقان لا ثالث لهما إما الاستمرار في الدوران داخل دائرة الانقسام التي فرضته حماس أو الشروع في مشروع وطني جديد يقوم على الاعتراف والمصالحة والإصلاح ... مصالحة تترجم إلى بناء مؤسسات حقيقية شفافة واستعادة للثقة مع السلطه ووضع خطة وطنية عاجلة لحماية المدنيين وتوفير الأمن الغذائي والصحي والتعليمي لهم .
إن القضية الفلسطينية أكبر من الجميع وأقدس من أن تترك رهينة الشعارات والمزايدات. يجب أن نعيد صياغة العلاقة بين الفعل الميداني والسياسي بحيث لا يلغى أحدهما الآخر بل يتكاملان في خدمة هدف واحد حماية الإنسان واستعادة الأرض وهذا يتطلب عقلانية وطنية تضع المصلحة العليا فوق أي حساب حزبي أو أيديولوجي .
ختاما لن ننهض ما لم نعترف ولن نصلح ما لم نحاسب ولن نحمي فلسطين ما لم نؤمن أنها أكبر منا جميعا. إن الهزيمة التي نعيشها اليوم إن تحولت إلى وعي جديد وعمل مشترك ومسار عقلاني فقد تكون بداية نهضة وطنية جديدة أما إن بقينا أسرى الغرور والعناد فسنخسر ما تبقى من وطن يئن تحت ثقل الوصايه التي لاتخدم مصالح شعبنا .
فلنبدأ من هنا من الاعتراف من المصارحة من الإيمان بأن فلسطين لا تبنى على الانقسام والوصاية، بل على الوحدة ولا تدار بالعناد بل بالحكمة ولا تحرر بالشعارات بل بالعقل والعمل لأن الوطن الذي خنا حقه يوما لا يزال ينتظرنا لنصون كرامته ونعيد له ما سلب منه من أمل وحرية وإنسانية .



