الكاتب: ناضل حسنين
وأخيرًا، خصصت الوقت الكافي لأقرأ كتاب "الوطنية والمواطنة" الذي أهداني إياه الصديق النائب أيمن عودة في صيف العام الفائت. وبقي هذا الكتاب الجميل ينتظر على مكتبي طويلًا، وأدركت حين فرغت من قراءته أن تأخري في ذلك جعل الأفكار فيه تتخمر حتى تبلغ حد الاكسير فدفعتني الى قول ما أقول هنا..
في زمنٍ يزداد فيه المشهد السياسي الإسرائيلي انغلاقًا، ويتسع فيه الشرخ بين الانتماء القومي الفلسطيني والمواطنة الإسرائيلية، يأتي كتاب "الوطنية والمواطنة" للنائب أيمن عودة ليعيد طرح الأسئلة الكبرى التي ظلت تؤرقنا، نحن الفلسطينيين في الداخل، منذ النكبة وحتى اليوم: كيف يمكن أن يكون الإنسان فلسطينيًا كاملاً ومواطنًا فاعلًا في آن واحد؟ وهل يمكن للهوية والمواطنة أن تتصالحا دون أن تبتلع أحداهما الأخرى؟
الكتاب، الصادر عن دار "كل شيء" في حيفا، ليس مجرد تأملٍ في مفاهيم نظرية، بل محاولة لبناء مشروع سياسي متجدد لنا، نحن الفلسطينيين في إسرائيل، مشروع يوازن بين حفظ الانتماء الوطني والاندماج المدني داخل الدولة. يتحدث أبو الطيب بلسان الجيل الذي يرفض المفاضلة بين القومي والمدني، ويؤمن بأن الدفاع عن الهوية لا يكون بالانعزال، وأن الانخراط في الحياة السياسية لا يعني الذوبان.
في فصوله الخمسة، يتنقل الكاتب بين المحطات الفكرية والسياسية التي شكلت وعينا نحن الفلسطينيين في الداخل منذ سبعينيات القرن الماضي، حين بدأ الجدل حول ماهية العمل الوطني: هل يكون بالاحتجاج من الخارج أم بالتأثير من الداخل؟ هل تكون الأولوية للهوية أم للحقوق؟ ويحاول عودة أن يقدم جوابًا مركّبًا، مفاده أن النضال الفعال لا يقوم على الإنكار أو المفاضلة، بل على الجمع بين الهويتين: هوية قومية لا تنكر الذات، ومواطنة مدنية لا تتنازل عنها.
ويولي النائب عودة في كتابه اهتمامًا خاصًا لفكرة الشراكة العربية – اليهودية، باعتبارها ركيزة لأي تقدم سياسي حقيقي داخل إسرائيل. هذه الشراكة، كما يراها، ليست استجداءً ولا تنازلًا، بل خيارًا استراتيجيًا لمواجهة التيارات العنصرية والمتطرفة التي تزداد سطوةً على السياسة في البلاد. فالمعركة، كما يصفها، لم تعد بين عرب ويهود فحسب، بل بين من يؤمن بالديمقراطية والمساواة، ومن يريد حصر الدولة في قومية واحدة.
في القسم الأخير من الكتاب، يقدم عودة خارطة طريق تتجاوز التنظير إلى الفعل: دعوة لبناء تنظيمات سياسية حية، وتجديد الخطاب الوطني بلغة واقعية قادرة على مخاطبة الناس في حياتهم اليومية، وإعادة ربطنا، نحن فلسطينيي الداخل، بالمشروع الوطني الفلسطيني الأشمل. فالقضية، في نظره، لا يمكن اختزالها في البرلمان ولا في البيانات، بل في استعادة الدور الطليعي للفكر السياسي العربي داخل إسرائيل كقوة دافعة نحو العدالة والكرامة.
وإذا كان في المضمون ما يثير الإعجاب، فإن في أسلوب الكتاب ما يستوقف القارئ أكثر. فالنص مكتوب بلغة هادئة عميقة، متماسكة الهيكل، متقنة المفردات، تسير بسلاسة فكرية لا ترهق العقل ولا تسرف في الخطابة. يوازن عودة بين التحليل والمنطق، بين الرؤية الأخلاقية والدقة السياسية، فيجعل القارئ أمام نصٍ ناضجٍ يعكس تجربة إنسانٍ يعيش ما يكتب ويكتب ما يعيش. هذه السلاسة، مع عمق الفكرة وصدق النبرة، تمنح الكتاب قيمة فكرية وأدبية نادرة في الأدبيات السياسية العربية المعاصرة.
أسلوب عودة في الكتاب يمزج بين تحليل فكري وضمير ملتزم. لا يكتب ببرودة الأكاديميين ولا بحرارة الشعاراتيين، بل بصوتٍ واثقٍ يزن كلماته بميزان التجربة والميدان. لذلك يبدو الكتاب في جوهره دعوة للتجديد لا للجدل، وللمواجهة الواعية لا للانغلاق.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن "الوطنية والمواطنة" ليس كتابًا يصف الواقع بقدر ما يسعى إلى تغييره. هو نداء لاستعادة المعنى وسط ضجيج السياسة، وتذكير بأن الوطنية لا تقاس بعدد الشعارات، بل بقدرتنا على تحويل الانتماء إلى فعل، والمواطنة إلى أداة نضال من أجل المساواة والحرية.



