الكاتب : إياد ابو روك
في حقيقة الأمر أصبحت إسرائيل اليوم أقبح دولة في التاريخ الحديث. الدولة التي كانت تقدم نفسها للعالم على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط والبلد الذي تعرض للظلم الأكبر في التاريخ الحديث والقديم لم تعد كما كانت لم تعد تلك الدولة التي تتغنى بالحرية والعدالة ولا التي تبكي على أطلال المحرقة لتكسب تعاطف العالم . إسرائيل اليوم تسقط سقوطا أخلاقيا كاملا وتتحول من ضحية التاريخ إلى جلاده الأشرس بعد انكشاف وجهها المثمثل في نتنياهو .
أنا هنا لا أتحدث عن اليهود كشعب له جذور عميقة في التاريخ الإنساني فاليهود كانوا جزءا من الحضارات التي ساهمت في بناء الفكر والعلم والثقافة ولكن أتحدث عن الصهيونية السياسية .. تلك الفكرة التي سرقت تاريخ اليهود ومسحت معاناتهم وحولتها إلى وسيلة قمع وإبادة ضد شعب آخر . نتنياهو انتزع من اليهود لقب الضحايا ومنحه للفلسطينيين الذين يتعرضون اليوم لإبادة جماعية في غزة والضفة الغربية ، تلك الإبادة التي جعلت العالم يرى بوضوح أن إسرائيل لم تعد دولة تبحث عن الأمن بل دولة تبحث عن الدم والدمار .
في السابع من أكتوبر حين وقعت عملية "حماس" استخدمها نتنياهو ذريعة ليشن واحدة من أبشع الحروب في التاريخ الحديث لم تكن حربا عسكرية فقط بل كانت حربا لإبادة هوية وشعب وثقافة كاملة ومع كل بيت يقصف وكل طفل يقتل كانت صورة إسرائيل تتهاوى في أعين العالم .فلم تعد ضحية الإرهاب بل أصبحت عنوانا له ولم تعد صوت الديمقراطية بل صدى للنازية الجديدة التي عادت إلى الواجهة بوجه صهيوني متطرف .
أوروبا التي ظلت لعقود تشعر بالذنب تجاه اليهود بدأت اليوم ترى الحقيقة كما هي دولة تمارس القتل الممنهج والتطهير العرقي وتبرر جرائمها بحجج بائسة من باريس إلى لندن ومن أوسلو إلى مدريد ومن برلين إلى روما تخرج الملايين إلى الشوارع ليس دعما لحماس ولا لأي فصيل فلسطيني بل دفاعا عن الإنسانية ضد دولة فقدت كل معنى للإنسانية . الشعوب الأوروبية لم تعد تخاف من قول الحقيقة ولم تعد تقبل ازدواجية المعايير التي تبرر القتل باسم الدفاع عن النفس هذه المظاهرات هي في جوهرها صرخة ضد الصمت وضد النفاق وضد الجريمة المستمرة في غزة .
نتنياهو اليوم لا يمثل إسرائيل فقط بل يمثل سقوطها الأخلاقي والسياسي وحولها إلى دولة منبوذة تعيش في عزلة أخلاقية ولم تعد موضع تعاطف بل موضع إدانة اذ لم يعد أحد يراها دولة محاطة بالأعداء بل دولة تحاصر نفسها بأكاذيبها وتاريخها الدموي .
الصحف الأوروبية والمثقفون والمفكرون بدأوا يقارنون بين إسرائيل اليوم وألمانيا النازية في الأربعينيات ليس على سبيل المبالغة بل على سبيل التحليل المنطقي فالقصف العشوائي والتعذيب والسجون والقتل الجماعي كلها أصبحت مشهدا يوميا في فلسطين بينما العالم يشاهد .
الولايات المتحدة من جهتها بدأت تشعر بقلق متزايد فكل السفارات الأمريكية في أوروبا ترفع تقارير عاجلة إلى واشنطن حول الغليان الشعبي ضد إسرائيل وحول تراجع مكانة أمريكا نفسها بسبب دعمها الأعمى لتل أبيب هذه التقارير تذهب إلى المراكز التوثيقية والإعلامية في وزارة الخارجية والبيت الأبيض حيث يتم تحليلها بدقة لأن واشنطن تدرك أن استمرار نتنياهو في حربه قد يؤدي إلى انهيارات سياسية في أوروبا وربما إلى صعود تيارات جديدة تعادي إسرائيل والولايات المتحدة معا .
وفي هذا السياق بدأ دونالد ترامب رغم تاريخه في دعم إسرائيل يغير نبرته في الآونة الأخيرة فقد أصبح يصر على ضرورة وقف الحرب ليس حبا بالفلسطينيين ولكن خوفا من التحولات الكبرى التي بدأت تهز الشارع الأوروبي . ترامب الذي يعرف جيدا عقلية الجماهير الغربية أدرك أن استمرار المجازر في غزة سيقود إلى ثورة أخلاقية ضد إسرائيل وضد أمريكا نفسها وأن موجة الغضب الشعبي قد تتحول إلى سيل سياسي يغير شكل أوروبا وربما يشعل أزمة دبلوماسية عالمية لذلك بدأ يرسل إشارات إلى اللوبيات الصهيونية بأن الحرب لم تعد تخدم حتى مصالح إسرائيل وأن استمرارها يعني عزلة دولية متزايدة .
العالم اليوم يشهد تحولا غير مسبوق فلم تعد القضية الفلسطينية قضية حدود أو سياسة بل أصبحت قضية أخلاقية وإنسانية . الطفل الفلسطيني الذي يحمل حقيبته بين الركام أصبح رمزا للإنسانية والمرأة الفلسطينية التي تبحث عن أبنائها تحت الأنقاض أصبحت رمزا للأمومة في وجه الجنون.
لقد خسر نتنياهو المعركة الأخلاقية وخسرت إسرائيل صورتها أمام العالم ومهما حاولت أن تبرر لنفسها تحت شعار الدفاع عن النفس لن تستطيع أن تمحو من الذاكرة العالمية مشاهد الجثث والدمار والخراب .
إسرائيل اليوم تعيش حالة من الانكشاف الكامل فلم يعد ينفعها الإعلام ولا التحالفات ولا الأكاذيب فقد كتبت بيدها نهاية الأسطورة التي بنتها على مدى سبعين عاما . أسطورة الديمقراطية والحرية والحق في الوجود سقطت تلك الرواية وسقط معها القناع ولم تعد إسرائيل ضحية التاريخ بل أصبحت جلاده والعار الذي صنعته بيدها سيبقى يطاردها في كل محفل وكل منبر وكل ذاكرة . لن يستطيع نتنياهو أن ينقذ نفسه من السقوط لأنه سقط بالفعل ومعه سقطت دولة كانت تتغذى على تعاطف العالم واليوم العالم يتقزز من أفعالها .
في ختام هذه المقالة اعطي الحديث اختصاره. امامنا لحظة تاريخية تتطلب منا حكمة ووعيا جماعيا. سقوط نيتنياهو ليس نهاية بل فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ورسم طريق جديد يقوم على وحدة الرؤية والهدف بعيدا عن الصراعات الحزبية والمصالح الضيقة . علينا ان نحول الالم الى وعي والتضحيات الى استراتيجية وطنية تعيد لقضيتنا حضورها وتضعها في مكانها الطبيعي في ضمير العالم اذا احسنا استغلال هذا المشهد بذكاء وبمسؤولية فقد يكون بداية لمرحلة جديدة اما اذا بقينا في الفوضى والانقسام فسنبقى نحن من يهدر تضحيات شعبنا ويغيب صوته . الخيار امامنا واضح اما ان نرتقي الى مستوى التحدي او نترك التاريخ يمضي دون ان يسجل لنا موقفا يليق بحلم هذا الشعب .



