الكاتب : مالك التريكي
منذ ما قبل بدء تبادل الأسرى بين حماس ودولة الاحتلال بأيام، عادت القنوات الإخبارية الغربية لعادتها الثابتة على مر العقود: أولا، ذِكرُ الأسرى الإسرائيليين مرات عديدة في الساعة الواحدة في مقابل «نسيان» ذِكرِ الأسرى الفلسطينيين إلا مرة واحدة في اليوم أو اليومين، هذا إن ذُكروا أصلا. ثانيا، التذكير في كل آن وحين بعدد «الرهائن» الإسرائيليين، 20 من الأحياء و28 من الأموات، في مقابل «نسيان» ذِكرِ أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل يتجاوز عشرة آلاف.
ثالثا، تعريف بعض الأسرى الإسرائيليين بالاسم والعمر والمهنة، مع الانتقال في بعض الأحيان إلى إسرائيل لبث تصريحات مستدِرّة للدمع مع والد الأسير أو والدته أو أخته في مقابل إغفال ذكر الطرف المقابل إغفالا تاما، أو الاكتفاء، في حالات نادرة، بتنكيره تنكيرا اسميا: مجرد «سجناء فلسطينيين» أو رقميا: ألفان أو أقل قليلا.
ذلك أن من ازدواجية معايير الإعلام الغربي أنه يتعامل مع الإسرائيليين كحالة إنسانية حية ذات روح وملامح بينما لا يتعامل مع الفلسطينيين إلا كحالة إحصائية صماء غُفل من الاسم والروح. ولأن هذا ديْدن القوم، فلا بد أن قطاعا واسعا من الجمهور يتذكر كيف أن الإعلام الغربي مضى يجترّ الكلام ويجدد التفجع على الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، فما كاد يمضي أسبوع على وقوعه في الأسر حتى صار كل ساكن على كوكب الأرض يعرف من هو. بل الأعجب أنه ما كاد يمضي الأسبوع حتى حظي أبوه، الموظف الإسرائيلي الصغير، بلقاء كل من الرئيسين بوش وساركوزي والمستشارة ميركل وبابا الفاتيكان والأمين العام للأمم المتحدة!!! عجيبة لا سابق لها ولا نظير في السياسة العالمية. مجرد جندي عادي يصير هو وأسرته في أيام معدودة محل اهتمام أكبر قادة العالم. عجيبة ما كانت لتحصل في أي سياق آخر، حتى لو كان الأسير جنرالا من قادة الجيش البريطاني أو الفرنسي! وبما أن أسر هذا الجندي الإسرائيلي دام خمسة أعوام فقد نجح الإعلام الغربي في فرضه على جميع البشر فرضا: يطل عليهم من الشاشة كلَّ آن وحين كأنه يساكنهم في بيوتهم لفرط ما صاروا يعرفون أصله وفصله وأمه وأباه وذكريات صباه.
من ازدواجية معايير الإعلام الغربي أنه يتعامل مع الإسرائيليين كحالة إنسانية حية ذات روح وملامح بينما لا يتعامل مع الفلسطينيين إلا كحالة إحصائية صماء غُفل من الاسم والروح
ازدواجية استفحلت مع الزمن حتى يكاد لا ينتبه إليها اليوم أحد. ذلك أن التعود يطفئ الانتباه وينتهي بفرض حالة من التطبيع مع أظلم المظالم، بل وأفظع الجرائم. وهذا ما كانت سيمون ديبوفوار قد بيّنته بشأن المناضلة جميلة بوباشا عندما قالت، في سياق التنديد بجرائم الاضطهاد والتعذيب والتنكيل التي كان يرتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، إن أفضحَ ما في الفضيحة (أو أدهى ما في الدَّهْياء) هو التعوّد عليها. لهذا تعوّد العالم على فظائع الأمريكان في فيتنام وغوانتانامو وأبو غريب وباغرام وفظائع الإسرائيليين في فلسطين حتى انتهى بالتطبيع معها. ولكن لازدواجية المعايير أساسا مسكوتا عنه لأنه ليس ثمة من الإعلاميين الغربيين من يجرؤ على إعلانه جهارا نهارا. وهو أن النفوس البشرية لا تتساوى في الميزان الغربي. فحياة فرد غربي (وإسرائيل تعدّ جزء لا يتجزأ من عالم الغرب) أعلى وأغلى عند الإعلام الغربي من حياة مئات، بل آلاف، الأشخاص إن كان هؤلاء من العرب أو الأفارقة أو الآسيويين أو الأهالي الأصليين في أمريكا وأستراليا.
ولهذا رغم تبدل مظاهر العلاقات الحضارية وتكاثر قشور المدنية خلال العقود الماضية، فإنه يبدو كما لو أن البشرية لم تخرج بعد من دائرة فضيحة عام 1550 المعروفة باسم «سجال فايادوليد» (بلد الوليد) لما اجتمع عقلاء إسبانيا ووجهاؤها بطلب من الإمبراطور كارلوس الخامس لتحديد ما إذا كان أهالي مستعمرات المكسيك والبيرو الأصليون «عبيدا بالطبع والطبيعة» (حسب التعريف الأرسطي) بحيث ينبغي إخضاعهم لقانون الغزو، باسم «الحرب العادلة» (!) أو ما إذا كانوا «بشرا حقيقيين» جديرين بحق الحرية والملكية وبأن يبشَّروا بدين النصرانية بالموعظة والقدوة الحسنة.
وليس الإيمان غير المعلن بالتفاوت بين البشر مقتصرا على الإعلام، بل إنه يكمن في أساس التفكير الحضاري والسياسي الغربي. ومن أدلة ذلك أن الغرب الذي نهب الكرة الأرضية طيلة خمسة قرون نهبا أفشى التلوث وخلخل التوازن الطبيعي وقضى على التنوع البيئي وزعزع معظم مقومات الحياة على الكوكب هو الغرب ذاته الذي يطالب الشعوب الأخرى اليوم بوقف التصنيع وبالتقليل من استخدام الوقود الأحفوري والالتزام بخفض المنفوثات المسببة للاحتباس الحراري.
* كاتب تونسي



