الكاتب : بكر أبوبكر
لقد دخلت وسائط التواصل الاجتماعي مدخلًا خطيرًا في التأثير على الوعي الإنساني، ومن المبتدأ، أي من الإحساس، ثم الانتباه، فأفقدت الإنسان الإحساس بالوقت.
إذ ينخرط الشخص طويلًا في ما لا طائل منه من منتجات استهلاكية (مواد) تصله بيده اليمنى أو اليسرى (أي عبر الهاتف النقال) فلا يكاد يفلته إلا ليعود للإمساك به بمجرد طنين الجرس أو الإشعار الذي يستثير فيه مشاعر اللذة والشعور بالإنجاز والمكافأة عبر تدفق هرمون الدوبامين.
لقد استطاعت الوسائط الاجتماعية ومستهلكات الشابكة (الإنترنت) أن تخلب لبّ الناس عامة فما بالك بالمتعلمين والدارسين والمثقفين – أما السياسيون فحدِّث ولا حرج – الذين وجدت منهم من طلّق القلم والكتاب وزحف نحو المرئي (مقاطع الفيديو)، تطوّح به الشاشات يمينًا وشمالًا، ففقد عزيزَ إحساسه، وتشتّت انتباهه إلى الدرجة التي لا يستطيع معها التركيز على أي أمر ذي قيمة، فسكت التفكير وتكلس العقل.
قال صديقي أحمد: كنت أركز بالساعات الطويلة ولم أعد أستطيع ذلك الآن
وقال: لقد فقدت التركيز.
سألته: لماذا؟
قال: لأنني بتّ أستغرق في النظر، بل والتحديق، إلى الشاشات حتى يسرقني الوقت، وما زلت منجذبًا إليها!؟
واستطرد: بتّ لا أشبع النظر للمقاطع المرئية، بل ولقد استبدلتها بالكتاب الورقي وذاك الرقمي أيضًا، فأحتضنُ الخبر أو المعلومة الواردة من هذه المقاطع.
قلت: أوَتتابعها دون التحقق من المصدر؟
قال: لا تحقق ولا يحزنون، فهي تغرقني بما تريده وتتتابع على وعيي تتابعَ جيوش جرارة ذات مدد لا ينضب!
قلت: أنت في محنة احتراق، بل وسرقة وعي وانتباه
قال: نعم، أعلم هذا، لقد سرقوا انتباهي، ولم أعد أركز كثيرًا، لقد بتُ أسيرًا في قفص! أو داخل قوقعة.
لقد فقد المشتكي أحمد، إلى جانب إحساسه، الانتباه، كما فقد الوعي فتناقصت المعرفة عنده، وباتت الذاكرة ضعيفة في التخزين بل وفي الاستدعاء.
قال إنه لم يعد يجد اللذة في الكتاب الورقي الذي كان منذ عشر سنوات مضت رفيق دربه في الحلّ والترحال!
وقال إن المكتبة التي تكدست في بيته أصبحت عبئًا عليه لم يحسّه من قبل!
وقال إن أولاده لا يوقرون الكتب، بل ويستخدمون مكتبته لوضع ألعابهم ومقتنياتهم غير عابئين بما درج عليه من ترتيب سابق لمكتبته
لقد تحول الورق إلى عبء كبير حتى أنه يفكر مليًا بأن يتخلص منه!
إن «اغتصاب الانتباه» هو تشتيت مقصود يتم من خلال «الإنهاك الرقمي» نتيجة «الانهماك»، بمعنى التصفح المستمر المطول بما يسمونه «التمرير (scrolling)» الخاضع لرغبات ومواضع الاهتمام لدى الشخص، وما تجلبه له الخوارزميات الرقمية حتى يظن أن العالم مقتصر على القوقعة التي تم إلزامه بها بناء على تتبع الشابكة لرغباته وتصفحاته واهتماماته!
عند فقدان الانتباه تمر الكثير من الحوادث المهمّة على سطح عقل الشخص فلا تلقى اهتمامًا ولا تشتعل فيه الرغبة القديمة بالاكتشاف والبحث والتيقن، بل إنه في ظل حالة الإرهاق والإنهاك الرقمي ينساق بلا إرادة لما تلقيه عليه الشابكة من أوامر! هي في الحقيقة استجابة لرغباته الدفينة بما يجلب له الراحة العقلية أو المتعة! فيظن أنه مسلوب الإرادة وهو من فعل هذا بنفسه، ويمكنه الخروج، ولكن هيهات.
إن الراحة والمتعة المرتبطة بتدفق هرمون الدوبامين عند المغتصَب انتباهه والمنهك رقميًا الواقع تحت وطأة الإغراق (يصبح مع الوقت مدمنًا) أَولى من التفكير والجهد العقلي، لا سيما بعد الاعتياد عليها وهي تأتيه بلا كلفة، بينما كان قديمًا يدفع ليصل إليها! (مثل الذهاب إلى محل الألعاب أو إلى دار السينما، ...) فباتت تدخل في كل الأوقات دون جهد منك، وبأجمل الحُلل، وبلا استئذان!
مع حالة الاغتصاب والإغراق والإنهاك لا يعود للتركيز مكان ويقفز الوعي من صندوق مهاراته لينتحر، وتصبح المعرفة رقيقة وقابلة للانكسار بسهولة فلا منطق ثقيل ولا مرجعية صلبة ولا تفكير مستقل يناقش ويبحث ويسأل ويدقق.
عندما يخضع الإنسان أو ينسحق تحت وطأة ثلاثية الاغتصاب والإغراق والإنهاك الرقمي فهو يتجرد من أسلحته ويستسلم إلى الدرجة التي يصبح فيها الاستكشاف المرتبط بالتنوع وحب الاستطلاع المعرفي غير ذي صلة، لأنه لم يعد بحاجة لكل ذلك، فالتتابع التتري والهمجي للمقاطع المرئية على ذهن الشخص لا يمكّنه من التفكير أو اللجوء إلى السؤال أو الاستفسار، فكل الإجابات متوفرة! وليس عليك إلا أن تتحول فقط إلى ببغاء تحفظ وتعيد ترديد ما ترى، أو تقرأ عبارات قصيرة بلا إسناد أو نقاش وبلا أية قيمة!
قال أحمد: لقد فقدت حاسّة الاستكشاف التي لطالما أثارت فيّ الفضول من خلال فكرة أو حدث أو جملة أو فقرة أقرأها في كتاب حيث كنت لا ألبث أفتش وأقرأ وأبحث مليًا في ذلك حتى أجد المصدر الأصلي، ثم أجتهد عقليًا بالتفكير فيما وجدته إثر البحث المضني، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى أن أرى الشمس في عزّ الليل (شمس الحقيقة) فلا أستطيع النوم فلقد وجدتها!
لقد وجدت الفكرة ووجدت الحاجة التي كنت أبحث عنها في إطار الجهد المبذول. وكل هذا اليوم أصبح أثرًا بعد عين!
تم اغتصاب الانتباه وتشتيته، فغاب الوعي ولم يعد للإدراك المستقل محل فسقطت المعرفة وغاب التفكير فتجرد الإنسان من أثمن ما منّ به المولى عز وجل عليه!

