ثقافة

الرواية وأسئلة الإنسان المعاصر

9 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

الكاتبة : أسماء ناصر أبو عيّاش


قد يظن البعض أن الحديث عن السرد والشخصيات والجماليات الأدبية وسط هذا العالم المتشظي هو نوع من الترف الفكري أو محاولة في صناعة الوهم. لكن حين يسعى العالم المعاصر لتجريد الإنسان من معناه وتحويله إلى مجرد رقم في النشرة أو خوارزمية في شاشة، تصبح الرواية فعل المقاومة الأخير لمجابهة العدمية.

وتجنبًا للوقوع في فخ العموميات والكليشيهات الجاهزة أرى أن الرواية ليست مجرد توثيق بل مختبر لتفكيك أزمات الإنسان المعاصر.
في السنوات الأخيرة، سار قطاعٌ غير قليل من الأدب العربي نحو صياغة القلق بأدواتٍ ومفاهيم مقتطعة من سياقها؛ فنرى الشخصية العربية تُعاني في صفحات النص من عبثيةٍ واغترابٍ بلغةٍ تشبه إلى حدٍّ كبير هواجس عالم لا يحمل هويتها. نراها تتخبط في مصطلحات مستوردة وتتوه في أزمة المعنى وكأنها تملك رفاهية الضياع، بينما الواقع من حولها يغلي بأسئلةٍ أكثر شراسة ووجودية؛ أسئلة البقاء والعدالة والحرية والبحث عن جدارٍ آمن في عالمٍ آخذٍ بالانهيار.
إن إسقاط تجربة مستوردة على الشخصية العربية يُجرّدها من حقيقتها، ويجعل النص يبدو كأنه ارتداءٌ متكلف لـموضة أدبية مستعارة من صالونات (باريسية) أو مقهى (برليني)، وإسقاطه على واقع مجتمع لا يعاني من شبع الوجود الذي يولّد الفراغ، بل من سحق الوجود الذي يولّد الخوف.مجتمع لا يبحث في:  لماذا نعيش بالمعنى الفلسفي المجرّد، بل كيف ننجو بإنسانيتنا وسط كل هذا القهر والتاريخ المثقل بالهزائم. فالرواية الحقيقية لا تتزين بالنزعات الفلسفية المستوردة لتكتسب شرعيتها، بل تنبش في ترابها الخاص، وتستخرج أسئلتها من سيرتها الذاتية وتحول الرواية من سؤال من نحن أي التعريف التوثيقي الجاهز، إلى كيف نُعرّف أنفسنا في عالم متغيّر، والموازنة والمواءمة بين عالمية أسئلة الإنسان المعاصر وبين خصوصية الواقع العربي بدون الوقوع في فخ الاستيراد الأدبي أو فخ المباشرة.
فمن غسان كنفاني و"ما تبقى لكم"، وصولاً إلى "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي، تبدو الهوية مركبّة، صعبة، ومشحونة بأسئلة الازدواجية والاقنعة التي يفرضها العالم المعاصر، إذ كيف يتعامل الإنسان المعاصر مع فقدان الجغرافيا، فهل أصبحت الذاكرة هي الوطن البديل أم عبءٌ يجب تفكيكه حيث يتحول المكان من مجرد أرض إلى حيز نفسي وفلسفي كما يتبدى في زمن خيول ابراهيم نصر الله البيضاء أو ضوء حسين البرغوثي الأزرق؟
والسؤال المُلِح: هل نعمد كمبدعين وأدباء إلى الرواية لمجرد التوثيق مقابل محاولة امتلاك حق التأويل أي صناعة معنى جديد، هل نكتب لنروي فقط؟ لعل رواية حدث ما، هي بالضرورة عملية إعادة بناء واختيار، وبالتالي هي تأويل ضمني للحدث من حيث اختيار زاوية الرؤية، فحتى الرواية البسيطة ـ من وجهة نظري ـ هي تمرّد على الواقع وليست مجرد انعكاس له. 
في عالم معاصر يتجه نحو الفردانية والعدمية، تقدم السردية الفلسطينية معنىً مغايراً؛ معنى يُخلَق من خلال الإصرار على "الحكاية" في مواجهة المحو والإلغاء.
 الرواية الفلسطينية: الوجود كفعل مقاومة .. 
الحديث عن الإنسان المعاصر في الرواية العربية يجد أوضح صوره في الرواية الفلسطينية، هذه الرواية لم تكن يوماً تسجيلاً وثائقياً للحروب والتهجير فقط، بل كانت دائماً محاولة لتفكيك الأزمة الوجودية، الإنسان فيها لا يسأل من أنا؟ في فراغ مجرد، بل يطرح سؤال وجوده وهو واقف عند حاجز الاحتلال أو تحت وطأة الحصار أو حين تُختزل هويته في أوراق سفر.
صاغ غسان كنفاني هذا السؤال البنيوي حين صرخ في "رجال في الشمس" لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لم يكن السؤال محصوراً في الصفيح الملتهب في الصحراء العربية، بل كان تعرية للصمت الجمعي، ولعجز الإنسان أمام الموت البطيء. وفي "عائد إلى حيفا"، أعاد كنفاني صياغة مفهوم الوطن والهوية حين قال: "الوطن هو ألا يحدث هذا كله". وتحول السؤال الإنساني إلى كوميديا سوداء تتحدى محاولات محو الوجود والذاكرة في "متشائل" إميل حبيبي. وفي التجارب الروائية المعاصرة، لم يعد السؤال يقتصر على استعادة الأرض، بل امتد ليشمل كيفية حماية الشرط الإنساني والذاكرة الحية أمام أنظمة المحو والتهميش.

الرواية الأردنية: قلق التحول واشتباك الهوية ..
أما الرواية الأردنية فتواصل طرح أسئلة التهميش والفقر وصراع الأجيال، وأزمة المثقف العضوي المنتمي لخط الشعب، وتشتبك مع أسئلة الإنسان المعاصر من زاوية التحول الاجتماعي والثقافي السريع. فبحكم موقعه وتاريخه، ظل الأردن نقطة تقاطع واحتضان للأزمات الكبرى في المنطقة، مما انعكس على بنية الشخصية الروائية الأردنية. فمنذ روادها الأوائل كتيسير سبول ومؤنس الرزاز، وصولاً إلى جمال ناجي وسميحة خريس على سبيل المثال لا الحصر، طرحت الرواية الأردنية سؤال الاغتراب داخل المدينة والتمزق بين أزمنة مختلفة.
جسّد تيسير سبول في "أنت منذ اليوم" صدمة الإنسان العربي وانكساره الوجودي أمام الهزائم المتتالية والبحث عن معنى داخل الذات والمحيط. بينما غاص مؤنس الرزاز في "أحياء في البحر الميت" بعرض صورة موجعة لجيل عايش الشعارات القومية في واقع عربي مفصوم ومأزوم سياسيٍا، وعمد إلى تشريح التخبط الفكري والنفسي للإنسان العربي المحاصر بين الشعارات العريضة والواقع.
الرواية كأداة لتفكيك الخطاب الإعلامي ..
يشتغل الخطاب الإعلامي والسرد الأدبي على نفس المادة؛ هي الحدث والإنسان، لكنهما ينطلقان من فلسفتين متضادتين تماماً، وهنا يبرز دور الرواية في تفكيك الخطاب الإعلامي ونزع الموضوعية عنه، فالإعلام يُقدّم السردية الرسمية كأنها الحقيقة المطلقة، فيما تعمد الرواية إلى تمزيق الأيديولوجيا والأطر الجاهزة وتكشف التناقضات المسكوت عنها وتعيد طرح السؤال: من يملك حق سرد الحدث. 
فعلى سبيل المثال يتناول الإعلام بتجرد خبرًا عن مقتل عشرين شخصاً في حادثة كذا .. في حين تستهدف الرواية شخصاً واحداً وتتبع يومه، أحلامه، خيباته، وقهوته الصباحية، تُحوّل الرقم إلى وجود تعيد إحياء إنسانيته.
ختامًا لا يختلف اثنان على أن الأدب الروائي في مجتمعاتنا ليس ترفًا بل هو وثيقة وجود؛ فقد قدمت الرواية الفلسطينية للعالم صياغة صلبة لكيفية الحفاظ على الإنسانية والذاكرة في أوج الاقتلاع والشتات، فيما قدمت الرواية الأردنية مساءلة ورؤية في كيفية الحفاظ على الروح والمعنى في أوج التحول والتبدل السريع. 

وفي ظل هيمنة الحركة الصهيونية وكيان الاحتلال على وسائل الإعلام وتسويق روايته الزائفة والضليلة المناقضة والمناهضة لصدق وحقيقة روايتنا، تبقى الرواية ساحة للصرخة الإنسانية الباحثة عن الحرية والحقيقة.
فمن يكتب يقاوم ومن يقاوم ينتصر.
*كاتبة فلسطينية تقيم في رام الله