ثقافة

الاستيطان الثقافي واستشراف العودة : قراءة تحليلية في رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني

6 مشاهدة
الاستيطان الثقافي واستشراف العودة : قراءة تحليلية في رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني

بقلم : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

في عام 1969، كتب غسان كنفاني روايته "عائد إلى حيفا"، ليقدم عملاً أدبياً يتجاوز كونه سرداً عن النكبة إلى كونه تأملاً استشرافياً لمستقبل القضية الفلسطينية. الرواية التي تحكي قصة سعيد وصفية، الزوجين الفلسطينيين اللذين تركا طفلهما الرضيع خلدون أثناء فرارهما من حيفا عام 1948.. عام النكبة المشؤومة، ثم يعودان إليها بعد حرب 1967 ليكتشفا أن طفليهما قد تربى على يد زوجين يهوديين ناجيين من المحرقة وأصبح جندياً في الجيش الإسرائيلي يحمل اسم "دوف". هذه العودة الاستثنائية التي أتاحها فتح الحدود بعد حرب 1967، شكلت منعطفاً درامياً مكّن كنفاني من استشراف ما ستؤول إليه مدن فلسطين تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، خاصة مدينة يافا التي يمر ذكرها في الرواية كحالة موازية عبر قصة فارس اللبدي.

الاستيطان الثقافي ..

تقدم رواية "عائد إلى حيفا" نموذجاً درامياً لما يمكن وصفه بالاستيطان الثقافي، حيث لم يقتصر المشروع الصهيوني على الاستيلاء على الأرض، بل امتد إلى طمس الهوية العربية للمدينة وتحويلها مكانياً وثقافياً. يافا، التي كانت إحدى أهم المدن العربية في فلسطين، تعرضت لعملية "تهويد" منظمة تجلت في تغيير معالمها العمرانية وطابعها الثقافي، تماماً كما تحول منزل سعيد في حيفا إلى مسكن لعائلة كوشن اليهودية، وأصبح يحمل دلالات جديدة تتعارض مع تاريخه الفلسطيني.

هذا الاستيطان الثقافي يتجلى في الرواية من خلال تحول الطفل خلدون إلى دوف، حيث يوظف كنفاني تسمية الطفل كاستعارة للتحول الثقافي والهوياتي الذي يمارسه الاحتلال. فاسم "خلدون" المشتق من الجذر العربي "خلد" الذي يعني البقاء والخلود، يتحول إلى "دوف" وهو اسم عبري معناه "دب"، يحمل دلالات القوة والمواجهة. هذا التحول في الاسم ليس مجرد تغيير لفظي، بل هو تجسيد لعملية مسح للذاكرة والهوية، حيث يُحقن الطفل يوماً بعد يوم بقيم وثقافة تتعارض مع جذوره الفلسطينية، وهو ما يعبر عنه سعيد بقوله: "أليس الإنسان مكوناً مما يُحقن به ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة؟".

وما يحدث في يافا ليس مختلفاً عما حدث في حيفا. فالمدينة الساحلية التي كانت تضم واحداً من أهم الموانئ الفلسطينية، تحولت إلى مدينة إسرائيلية نموذجية، حيث جرى تغيير معالمها العمرانية، وطمس هويتها العربية، ومنع أهلها من العودة أو التطور والعمران. إن منع الفلسطينيين من العمران هو امتداد لمنعهم من الوجود، فالمدينة بحسب الرؤية الاستعمارية لا يمكن أن تتطور بوجود من يذكرون بتاريخها العربي.

الصدمة الثقافية وتشكل الهوية ..

تقدم الرواية نموذجاً بليغاً لما يمكن وصفه بالصدمة الثقافية التي يعيشها الفلسطينيون في الشتات، وهي الصدمة التي تشكل هويتهم وتحدد علاقتهم بالمكان المفقود. فسعيد، عند عودته إلى حيفا، يكتشف أن الذاكرة لم تكن ماضياً مضى، بل جرح مفتوح يعاود النزف: "لم يكن يتوقع أن تعود الذاكرة محملة بالاضطراب نفسه الذي كان حكراً على لحظات التجربة ذاتها". هذه الصدمة الثقافية، كما تظهر في الرواية، ليست مجرد ألم نفسي فردي، بل هي تشكل وعياً جماعياً يربط الفلسطينيين في الشتات ببعضهم وبأرضهم المسلوبة.

ومن اللافت في رواية كنفاني أنه لا يقدم الشخصيات الفلسطينية كضحايا سلبيين، بل كفاعلين يملكون وعياً نقدياً بما يجري. فسعيد، رغم صدمته، يدرك أن ابنه خلدون/دوف ليس مجرد ضحية للغسيل الثقافي، بل أصبح جزءاً من منظومة الاستيطان، وهذا الإدراك يجعله يواجه تعقيدات المصير الفلسطيني دون تبسيط أو مزايدة. وفي المقابل، تقدم الرواية شخصية ميريام كوشن، الأم اليهودية التي تبنت خلدون، ليس كعدوة نمطية، بل كإنسانة تعي أنها استولت على منزل ليس ملكها، وهو ما تعبر عنه بعبارتها الموجزة : "لقد كنت أنتظركما طويلاً... أنتما صاحبا هذا المنزل، أنا أعرف ذلك".

عودة موازية ..

في مشهد موازٍ لعودة سعيد إلى حيفا، تقدم الرواية قصة فارس اللبدي الذي يعود إلى يافا بعد عشرين عاماً من المنفى، ليكتشف أن منزله يؤجره لعائلة عربية بقيت في فلسطين بعد النكبة. وهنا يحدث توازن درامي مذهل، حيث يستقبله المستأجر العربي بعبارة تشبه تماماً ما قالته ميريام لسعيد: "تفضل، اجلس، نحتاج أن نتحدث قليلاً، لقد كنا ننتظرك طويلاً".

هذا المشهد يحمل دلالات عميقة بالنسبة لمستقبل يافا. فوجود عرب فلسطينيين ما زالوا في المدينة، وإن كانوا مستأجرين، يشير إلى أن الهوية الفلسطينية ليست مجرد ذكرى، بل حضور حي يمكن أن يشكل أساساً للعودة. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً صعباً: كيف يمكن استعادة حق العودة في ظل واقع استيطاني راسخ، حيث أصبح البيت يؤجر من عربي لعربي، والصراع أصبح بين فلسطينيين أنفسهم حول ملكية المنازل؟

استشراف المستقبل..

إن عبقرية كنفاني الاستشرافية تكمن في طرحه لمعضلة العودة دون أن يقدم حلاً جاهزاً . فالرواية التي تنتهي بدعوة سعيد إلى العنف ("لا بد لنا من أن نأخذ أولادنا.. لا بد أن نأخذهم")، تظل مفتوحة على احتمالات متعددة. فهل كان كنفاني يستشرف مستقبل يافا كمدينة تظل فلسطينية الروح رغم تهويدها، أم كان يرى أن التهويد سيبلغ درجة تجعل العودة مستحيلة؟

الجواب قد يكون في شخصية خلدون/دوف التي تمثل "الجيل الضائع" الذي تربى على ثقافة الاحتلال . هذا الجيل، كما يصوره كنفاني، هو الأكثر صعوبة في التعامل معه، لأنه ليس عدواً من الخارج، بل ابن تحول إلى جزء من المنظومة الاستعمارية . لكن الرواية لا تيأس من هذا الجيل، بل تترك باب الحوار مفتوحاً، مما يشير إلى أن الحل قد يكون في المواجهة الحوارية التي تعيد بناء العلاقة بين الفلسطينيين وأبنائهم المفقودين.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ما يحدث في يافا اليوم كامتداد لرؤية كنفاني. فالمدينة التي كانت عربية بالكامل، أصبحت اليوم يهودية في معظمها، مع بقاء جيب عربي صغير يكافح للحفاظ على هويته. وهذا يطرح السؤال: هل يمكن أن تكون يافا نموذجاً للمدينة المختلطة التي تعيد تعريف نفسها خارج إطار الصراع الوطني الضيق؟

الأدب واستشراف المصير ..

إن رواية "عائد إلى حيفا" تقدم أكثر من مجرد سرد أدبي للنكبة؛ إنها تأمل استشرافي في مستقبل فلسطين ومدنها. فمن خلال التركيز على التحول الثقافي الذي أحدثه الاحتلال في حيفا ويافا، بين كنفاني من خلال شخصية خلدون/دوف كيف يمكن للاستيطان الثقافي أن يعيد تشكيل الهوية ويمنع العودة .

لكن الرواية لا تقدم تشاؤماً مطلقاً، فرغم كل ما حدث، يظل الباب مفتوحاً للحوار والعودة، لأن العودة ليست مجرد استعادة لمفاتيح البيوت، بل هي استعادة للذاكرة والهوية التي لم يستطع الاحتلال أن يمحوها بالكامل . وفي مشهد استقبال ميريام لسعيد، وفي ترحيب المستأجر العربي بفارس اللبدي، رسالة أمل بأن الاعتراف بالحق يبقى حياً، وأن استشراف كنفاني لمستقبل يافا كان يرى في حق العودة ليس مجرد حلم، بل حتمية تاريخية، مهما طال الزمن .