ثقافة

قراءة في المجموعة القصصية "طيور العنقاء" للكاتبة جمانة سمير عتبة

9 مشاهدة
قراءة في المجموعة القصصية "طيور العنقاء" للكاتبة جمانة سمير عتبة
 
بقلم: سمير الجندي
منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة جمانة سمير عن ملامح عالمها الإنساني؛ فتفتتح مجموعتها بإهداء إلى أبنائها وزوجها وإخوتها وأخواتها وأصدقائها، وكأنها تؤكد أن الكتابة عندها ليست فعلا فرديا، بل امتداد طبيعي لعلاقات الوفاء والمحبة التي تؤمن بها. ثم تتوجه إلى القارئ بكلمات تمنحه حرية التأويل، فالنصوص ليست حقائق مغلقة، بل أفكار قابلة للحوار، وقد يجد القارئ فيها نفسه أو يكتشف فيها أفقا جديدا.
تستهل المجموعة بنص فلسفي عميق ينطلق من قصيدة للأسير الفلسطيني كميل أبو حنيش يرثي فيها جدته، لتنسج الكاتبة من خلالها تأملاتها الخاصة في فقدان والدها في نص كتبته سابقا بعنوان "فوضى"، حيث يجمع النصين شهر نيسان الذي تصفه بـ"نيسان الأسود". هنا لا يصبح الموت حدثا عابرا، بل سؤالا وجوديا مفتوحا، تحاول الكاتبة أن تجيب عنه بالإيمان بأن الموت قد يكون استثناء حين تبقى الفكرة حية، وحين تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل. فالأب عندها ليس مجرد فرد، بل هو وتد الحياة، والذاكرة التي لا تغيب.
وتنتقل الكاتبة إلى أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، فتصف ما جرى بعد السابع من اكتوبر بأنه الجريمة بعينها، في نص يقترب من المقالة الفكرية أكثر من اقترابه إلى البناء القصصي، حيث تتقدم الفكرة على الحدث، ويعلو صوت الضمير الإنساني على كل شيء.
وفي نصوص الأب والأم، ترسم جمانة صورة الأسرة الفلسطينية بوصفها الحاضنة الأولى للقيم. فالأب هو المعلم الذي يصنع الإنسان ويشارك في بناء الحضارة، بينما الأم هي المدرسة الأولى التي تنجب الرجال وتصنع الأجيال. ويبرز هنا اعتماد الكاتبة على الثنائيات البلاغية؛ الخوف والأمان، الحزم والحنان، القسوة والعطف، لتؤكد أن الإنسان يتشكل من توازن هذه القيم المتقابلة.
أما في نص "اغتيال"، فتغوص الكاتبة في أعماق النفس البشرية من خلال حادثة واقعية صادمة لامرأة فقأ زوجها عينيها. لكنها لا تتوقف عند حدود الألم، بل تجعل من المأساة دعوة لإعادة ترتيب الحياة، وبناء مستقبل الأبناء على المعرفة، والمقاومة، والفن، والموسيقى، والإنسانية، وكأنها تؤمن أن مواجهة العنف لا تكون إلا بصناعة إنسان أكثر وعيا.
ويأتي نص "العنقاء"، الذي حملت المجموعة عنوانه، بوصفه القلب النابض للكتاب. فطائر العنقاء، أو الفينيق، رمز الخلود والبعث والتجدد، يتحول إلى استعارة كبرى للأسير الفلسطيني. ومن خلال استلهامها لنصوص الأسير المحرر أسامة الأشقر، ترسم الكاتبة صورة الحياة الاعتقالية القائمة على التعاون والإيثار والانضباط، بعيدا عن الأنانية وحب الذات، وهي القيم التي شكلت ما يعرف بالمسلكية الاعتقالية لدى الأسرى.
ولا تكتفي بهذا الإسقاط، بل توسع دائرة الرمز لتشمل أم الشهيد التي تطلق زغرودتها من قلب الألم، فتخرج كاللهب من فم العنقاء، وتصبح هي الأخرى رمزا للبعث واستمرار الحياة. كما ترى في أطفال فلسطين وشبابها امتدادا لهذا الطائر الأسطوري؛ أولئك الذين ينهضون كل يوم من تحت الركام، ويوثقون الحقيقة بعدسات هواتفهم وأقلامهم، ليحفظوا الذاكرة من الضياع.
وتتوقف الكاتبة عند معاناة الفلسطيني في الشتات، باعتبارها شكلا آخر من أشكال الأسر، مؤكدة أهمية المعرفة وتعدد مصادر الثقافة، وأن بصيص الأمل، رغم المجازر والإبادة، يظل يخرج من إرادة المقاومة.
وفي "كوكب المريخ"، تخوض الكاتبة حوارا فلسفيا بين الرجل والمرأة، لا يقوم على الصراع بقدر ما يقوم على التكامل، مؤكدة أن توزيع الأدوار بعدل وتوازن هو أساس استمرار الحياة.
أما نص "عالة"، فيمثل واحدا من أكثر نصوص المجموعة إنسانية، إذ يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الإعاقة، ويرى أن أصحاب الهمم ليسوا عبئا على المجتمع، بل ربما نكون نحن العاجزين عن فهم عوالمهم. إنهم هبة إلهية، وعالمهم الخاص يستحق أن ندخله باحترام وحب.
وفي "ساعة رملية"، تتأمل الكاتبة الزمن وعلاقة الإنسان بالكتاب، لتؤكد أن الجسد يشيخ، لكن المعرفة لا تشيخ، وأن القراءة تظل الرفيق الأكثر وفاء مهما تعاقبت السنوات.
وتسقط الكاتبة الواقع السياسي على عالم الحيوان، فتشير إلى أن العنصرية وصراع القوة ليسا جديدين، غير أن الإنسان يمتلك ما لا تمتلكه الكائنات الأخرى، وهو الأخلاق. لذلك تستحضر الحكمة الخالدة: "لا تقل أصلي وفصلي، إنما أصل الفتى ما قد حصل."
وفي نص "ماذا لو؟"، تطرح فكرة طريفة وذكية حول علاقة الكاتب بشخصياته، حتى تكاد تدفع القارئ إلى التفكير في إمكانية إعلان أن جميع الشخصيات حقيقية بأسمائها وهيئاتها، وهي فكرة تحمل قدرا كبيرا من السخرية الذكية، وتدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الواقع والخيال.
أما نص "فنجان المكان"، فهو من أكثر نصوص المجموعة دفئا وحنينا. فالقهوة ليست مجرد مشروب، بل مفتاح الذاكرة، وجسر العبور إلى البيت الأول؛ إلى الأب، والأم، والبرندة، وضحكات العائلة، والدبكة، وضيوف الغربة، وكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع دفء الحياة. وتنتهي الكاتبة إلى حقيقة إنسانية جميلة مفادها أن كما صنع الآباء لنا بيتا دافئا، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نصنع الدفء ذاته لأبنائنا.
أسلوب جمانة سمير يتسم بالجمل القصيرة المكثفة، واللغة السلسة القريبة من القارئ، مع حضور واضح للثنائيات البلاغية، والتأملات الفلسفية، والرموز الإنسانية. وهي لا تكتب القصة بوصفها حكاية فحسب، بل بوصفها مساحة للتفكير، وإعادة اكتشاف الإنسان، واستحضار الذاكرة، والتمسك بالأمل.
"طيور العنقاء" ليست مجموعة قصصية تقليدية، بل نصوص تمزج بين القصة والخاطرة والمقالة والتأمل الفلسفي، وتجمع بين الوجع الفلسطيني والهم الإنساني العام، لتؤكد في النهاية أن الفكرة الحية، كالعنقاء، لا تموت، بل تولد من جديد كلما ظن الآخرون أنها انتهت.