الكاتب : كمال القاضي
ربما يُنبئ العنوان الذي اختاره الكاتب والمخرج الفلسطيني إياد أبو روك المُقيم في النرويج، بالحيرة التي تنتاب البطل الحائر بين عالمين كبيرين، يحملان ثقافتين مُختلفتين، فالفيلم الذي يُصدر مفهوماً آخر عن دواعي الهجرة والاغتراب، هو ذاته الذي يترجم معاناة أولئك الذين هاجروا بأجسادهم إلى البلاد البعيدة، بينما أرواحهم لا تزال تسكن الأرض وتلامس أغصان الزيتون، وتشتم رائحة اليود الآتي من البحر.
«بين عالمين» عنوان لائق بأجواء الفيلم الإنساني، الذي لا يُضبط كاتبه ومُخرجه مُتلبساً بالنحيب والبكاء، ولا شاكياً من ممارسات القهر والتنكيل، إنه فقط يلعب على وتر الذكرى، ويداعب أحلام العودة إلى الوطن الأم، الذي فصلته عنه سنوات الغُربة ولم يُنسه الدهر أبداً معالمه وصورة، الأرض والخُضرة وأشجار الزيتون، وجدران البيوت العتيقة، والباحات الواسعة، وألعاب الطفولة والصبا وحكايات الأب التي تنضح بالحنين وتُلهب الشوق بين الضلوع.
بالأمس البعيد كان التصوير غواية البطل الصغير، فاشترى له الأب لُعبة تُشبه آلة التصوير «الكاميرا» مصنوعة من البلاستيك، كانت أفضل ما حصُل عليه الطفل من ألعاب، لكنه سرعان ما فقدها بعد أن قام جنود الاحتلال بتحطيمها أمام عينيه. ترك هذا المشهد القاسي ذكرى أليمة في مخيلة الطفل، ظلت عالقة بذهنه حتى صار شاباً فتياً وبمرور الأيام والسنين كبر الحُلم فأصبح التصوير غواية واحترافاً، بعد أن بدت مظاهر النبوغ في التنامي. وهنا كان لا بد من التعبير بالصورة عن كل ما يراود الفتى من أحلام، فقد جعل من الصورة الفوتوغرافية والسينمائية وثيقة دامغة ودليلاً على الحقيقة.
ربما تكون صورة البطل يحيى آل كولاب هي ذاتها صورة صاحب الذكرى المؤلمة، الذي تحطمت لعبته قبل سنوات، فعمد إلى أن يكون مُخرجا وكاتباً مُبدعاً، يلتقط بإحساسه المُرهف ما يعن له من آيات الجمال في الطبيعة، ويُسجل ما تراه العين من لقطات عابره للبشر والمخلوقات والأماكن والأسواق، فتلك هي وظيفة الكاميرا، سجل مرن يسع كل الأشياء ويحفظ كل الملامح ليتسنى استرجاعها وقت الحاجة، وحين يستحيل إعادة المشهد الواقعي من جديد لتجاوز الزمن للحظة الفارقة من العُمر وتلاشي الحدث الذي كان.
في فيلمه المُختلف يُقدم لنا المخرج وكاتب السيناريو إياد أبو روك أطيافا من ألوان الذكرى، التي يستحضرها البطل يحيى آل كولاب، فيستدعي من خلالها الماضي الذي عاشه الأب، ونقله إلى ابنه حديث السن وهو في عمر التكوين، فصار الابن مُتعلقاً بماضي أبيه كأنه ماضيه. ورغم أنه لم يعش أبداً مأساة أبيه، ولم يكتوِ بنار غُربته وآلامه، إلا أنه يحس بإحساسه ويُعاني معاناته، خاصة أنه يرتبط وجدانياً بالوطن الأصلي، ولم يرض عن حياة النفي التي يحياها في بلاد الآخرين، فكم هو حنون ذلك الوطن البديل، لكنه ليس في حنان الوطن الأصلي، ففلسطين بتراثها ونبراسها هي الملاذ والمأوى والميلاد والأمجاد والتاريخ والذكرى والعُمر الماضي والمُتبقي.
في مشاهد بعينها يستمر الحوار الداخلي بين البطل وبينه، فلا نسمع غير صوت واحد يروي تفاصيل ذكرياته المنقولة من دفتر أحوال الأب، ويتأسى صاحب الصوت المسجون في بلاد الغُربة قسراً لا طوعاً، رغم الحرية المكفولة له في مُجتمع أوروبي يؤمن بحق الإنسان في وطنه ويرفض استيطان الغير في أرض ليست أرضه.
تلك إشكالية جدلية يُثيرها المخرج إياد أبو روك عبر حوار البطل المأزوم مع نفسه، كأنه لسان حال كل فلسطيني تغترب روحه في بلاد غير بلاده، فلا تُشبعه مظاهر الرفاهية والرُقي، فذلك كله عرض زائل، أما الباقي فهو الوطن، الوطن بكل ما فيه، حتى الخطر له طعم آخر غير طعم الأمان في دنيا الله البعيدة، النائية بمسافات عن أرض الآباء والأجداد. إنها ليست بكائية تأثيرية يُقدمها أبو روك في فيلمه الشجي، وإنما هي محض حقيقة لطبيعة الغربة ووصف الترحال والسفر، إذ لا شيء يُجدي إذا ما ضاع حُلم العودة، ولا شيء يُغني عن أمل مفقود، لذا بقي التشبث بالرجوع إلى الوطن ملاذاً في حد ذاته من وحشة البعاد وغاية قصوى تُجدد الذكريات وتبعث الماضي من جديد، ليتصل به الحاضر والمُستقبل، فلا يتجلى الفراغ في صورة مُخيفة ولا يتجسد فيه شبح الانكسار. تلك هي فلسفة الفيلم التي يُمكن استنتاجها من التفاصيل، بغير حاجة إلى مصمصة الشفاه أو المُبالغة في المأساة. إنها براعة التعبير الضمني عن وجع الاغتراب بكل بساطة، وبلا نشيج أو عويل، فالصورة الدرامية غنية عن الإضافات الزائدة، حيث لا يجوز تعريف الشيء بالشيء ذاته، كما لا يجوز تعريف الماء بالماء.
القدس العربي



