غزة-تقرير اخباري-وسط دمار الحرب المستمرة على قطاع غزة، يواجه الفلسطينيون أزمة معيشية ومالية تُعدّ من بين الأشد قسوة في تاريخ القطاع، حيث تلاشت مدخرات الأسر، وانهار الأمن المالي لآلاف العائلات في ظل واقع اقتصادي بالغ الصعوبة.
مدخرات تتلاشى تحت وطأة الحرب :
ارتفاع جنوني في الأسعار، وانهيار مصادر الدخل، ونسب بطالة بلغت 83%، كلها عوامل دفعت بعائلات بأكملها إلى حافة الفقر المدقع، حيث تشير البيانات إلى أن معدل الفقر تخطى 90%. في هذا المشهد القاتم، لم تعد المدخرات ملاذًا آمناً، بل صارت ذكرى أليمة تلاشت في زحمة الغلاء والنزوح وفقدان المأوى.
ويقول المواطن أحمد عليان، الذي كان قد اشترى شقة في بيت لاهيا بنحو 49 ألف دولار، إن دمار البرج السكني الذي كان يقطنه دمّر معه كل آماله: "ظننت أنني أؤمن مستقبل عائلتي، لكن اليوم لا بيت ولا مال، وما زلت مطالباً بسداد ديون تفوق 15 ألف دولار".
الغلاء يبتلع كل شيء :
قصة عليان تتكرر مع مئات الأسر. محمد فارس، عامل عاد من الداخل المحتل بعد أن ادخر 20 ألف دولار خلال عامين، لم يتبقَّ له سوى 3 آلاف دولار بعد النزوح وارتفاع الأسعار: "الطعام والإيجارات والنقل أصبحت كابوساً، كل شيء باهظ ولا طاقة لنا به".
وكشف مصدر في سلطة النقد الفلسطينية أن أكثر من 30% من الأسر في غزة سحبت مدخراتها بالكامل لتلبية احتياجاتها المعيشية. ورغم نمو الودائع المصرفية بنسبة 83% خلال 2024، فإن هذا الرقم يعكس تخوف الناس من فقدان أموالهم، لا تحسّنًا في أوضاعهم.
جيل بلا مدخرات :
تُظهر البيانات الرسمية أن إجمالي ودائع العملاء في غزة بلغ 3.2 مليارات دولار حتى نهاية نوفمبر 2024، رغم تعطل البنوك في كثير من الأوقات. ومع ارتفاع تكاليف النقل والغذاء والرعاية الصحية بنسبة تراوحت بين 600% و1100%، باتت ميزانيات الأسر غير قادرة على الصمود، لا سيما في أوساط الشباب الذين فقدوا مشاريعهم ومصادر دخلهم.
الادخار السلبي يسيطر على المشهد:
الخبير الاقتصادي محمد بربخ يحذر من أن "الادخار السالب" أصبح واقعًا عامًا في غزة، حيث تنفق الأسر أكثر مما تجني، ما يضطرها للاستدانة أو بيع ممتلكاتها. وأشار إلى أن غياب شبكات الحماية الاجتماعية، كالتأمينات والمدخرات، زاد من تفاقم الأزمة، حتى بات أكثر من 95% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
تدخلات مالية عاجلة في وجه الانهيار:
في محاولة للتخفيف من معاناة السكان، أصدرت سلطة النقد الفلسطينية تعليمات جديدة بتأجيل استيفاء أقساط القروض على المقترضين الأفراد حتى نهاية 2025. هذا القرار يأتي امتداداً لإجراءات مماثلة منذ اندلاع الحرب قبل 20 شهراً، في ظل خسائر فادحة لحقت بالبنوك جراء وقف التحصيل، والتي تُقدّر بمئات ملايين الدولارات.
من جانبه، أكد محافظ سلطة النقد يحيى شنار استمرار الجهود لتوفير تمويل خارجي يعوّض خسائر المصارف، ويدعم المقترضين الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية. وأوضح أن القطاع المصرفي ملتزم بحماية أموال المودعين رغم التحديات، داعياً إلى مواصلة الإجراءات الاستثنائية حتى نهاية الأزمة.
ختاماً، يحذر الخبراء من أن استمرار الحرب بهذا الشكل سيقود إلى انهيار اقتصادي وإنساني شامل، ما لم تُتخذ خطوات عاجلة لإنعاش الاقتصاد، ودعم الأسر نقديًا، وتوفير مظلة حماية اجتماعية فاعلة تُعيد للغزيين شيئاً من الأمان المفقود.



