نابلس ـ تقرير : سهير سلامة ـ خاص ب"واثق نيوز" تعاني مدن الضفة الغربية من عدة ازمات بنيوية وسياسية ، ناتجة عن عوامل عدة داخلية وخارجية من اهمها، اعتماد اقتصادها المحلي على الإيرادات التي تحول عبر دولة الاحتلال، والقيود التي تفرضها على الحركة والتنقل، بالاضافة الى تقييد الوصول الى الاراضي الفلسطينية والاستثمار، ولا نغفل ايضا عن اثر الاحتلال في رسم البيئة الاقتصادية داخل الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، يقول المخلص الجمركي والتاجر فادي عبيدو من مدينة الخليل ، ان المدينة باعتبارها من اكبر محافظات الضفة الغربية ، حيث يبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة، تشكل ما نسبته 40% من اقتصاد الناتج المحلي، فيما تشكل الصناعة ما نسبته 45%، حيث تعمل في الخليل 24 الف مؤسسة تحارية، و3500 مؤسسة صناعية، وفيها اكبر مصانع الالبان، والصناعات المختلفة ، والذهب حيث بلغت نسبة مساهمة مدينة الخليل وحدها من الذهب المتداول في الضفة الغربية 75% .
واضاف عبيدو ، ان وقوع الخليل في الجنوب الفلسطيني، وباعتبار معبر ترقوميا التجاري هو نافذة الوصل بين الشمال والجنوب، فان وقوع الخليل في صلب الاجراءات الإسرائيلية وصعوبة الحركة، وبخاصة بعد السابع من اكتوبر 2023، حيث ازدادت اعداد البوابات الحديدية والحواجز، ما ادى الى عرقلة الحركة التجارية وأصبحت التكلفة التجارية للشركات باهظة الثمن، بتغيير حركة الملاحة العالمية التي كانت تسير غبر باب المندب ، واصبحت من رأس الرجاء الصالح، بتكلفة اعلى ، وهذا كله كان له اثره سواء على التاجر او المواطن بشكل خاص.
وبحسب تحليل حديث صدر عن الجهاز المركزي للاحصاء ، فقد بلغ الناتج المحلي الاجمالي للضفة الغربية، نحو ١٢.٩ مليار دولار تقريبا عام ٢٠٢٢، بيد ان نسبة البطالة في ارتفاع مستمر ، حيث ان العمال الذين يعملون داخل المستوطنات والداخل المحتل، هو احد اهم اعمدة الاقتصاد الفلسطيني، فمثلا، نحو ١٦ % من الناتج المحلي قد يرتبط بعمال الداخل المحتل، ومع زيادة تكلفة القيود والاغلاقات التي تفرضها سياسات الاحتلال منذ العام 2000، فانها تقدر بحوالى 57.7 مليار دولار ، اي ما يمثل عددا من سنوات الناتج الإقتصادي الفلسطيني، الذي هو بالاساس يعاني من العجز الذي بلغ نحو 9.5% من الناتج المحلي الاجمالي في العام 2024، بسبب إنخفاض الإيرادات وزيادة الاستقطاعات الإسرائيلية.
وفي هذا الاطار يقول التاجر عبيدو ، ان الايداع النقدي، اثر على كل المجالات ولا يمكن المرور عليه مرور الكرام، خاصة بعد قرار البنوك الإسرائيلية، باعطاء مهلة للبنوك الفلسطينية مدتها 60 يوما لوقف التعامل فيما بينها، وهذا سيؤثر بدوره على انقطاع تمويل هذه الشركات، وتوقفها، مما يستدعي تدخلا سياسيا على اعلى المستويات الدولية، اذ ان الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي منذ العام 1994، تقضي بتحويل 13 مليار شيكل لحساب البنوك الإسرائيلية واستقبالها مجزءة، كل شهر 1.5 مليار شيكل، وهذه الحصة لم يتم زيادتها من قبل الجانب الإسرائيلي ، وبالتالي فان هذا القرار سيؤثر على كل مناحي الحياة، باعتبار اننا لا نملك عملة مستقلة ، واي خيار او بديل سيكون صعبا، لعدم وجود السيولة الكافية من عملة الدينار الاردني او الدولار الامريكي، لتغطية هذا الوضع الاقتصادي الصعب.
وكما نعلم فان الاقتصاد الفلسطيني ليس اقتصادا مستقلا تماماً ، بل جزء كبير منه مرتبط بالسياسات الإسرائيلية، والتحويلات، واموال المقاصة، والقيود على الحركة، والسيطرة الإسرائيلية على المعابر، والاراضي الزراعية، والبنى التحتية، وهذا كله بالاجمال يؤثر على الاستثمار والزراعة والصناعة في الضفة الغربية بشكل عام .
الفرص المتاحة ...
وعلى الرغم من كل التحديات، فإن هناك فرصا للنمو اذا ما تحسنت البيئة الاستثمارية، وقلت القيود، وتوفرت بيئة مستقرة للشباب والكفاءات حيث انها مخزون بشري يمكن استثماره، وتمكنت الهيئات المختصة من توزيع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على دولة الإحتلال.
وفي النهاية يمكننا القول إن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية هو وضع منهك، واعدّ ضمن بيئة إحتلال، وعجز في السيادة الاقتصادية، التي حولت الضفة الى كانتونات عاجزة عن سد رمقها، وايجاد فرصها للخلاص من هذه التبعية المدمرة.
فيما يشير الخبير والمستشار في المالية العامة مؤيد عفانة، الى ان الاقتصاد الفلسطيني يعاني من أوضاع صعبة بفعل سياسة الخنق الاقتصادي التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر توظيف أدوات عّدة من أهمها احتجاز إيرادات المقاصّة، وسياسة الحصار للمدن والبلدات والقرى الفلسطينية بحوالي 1200 حاجز وبوابة في الضفة الغربية، واغلاق السوق الإسرائيلي امام العمال الفلسطينيين منذ أكثر من عامين، والتهديد بقطع العلاقة البنكية ما بين البنوك العامة في فلسطين، والبنوك المراسلة الإسرائيلية، وخلق ازمة تكدس الشيكل، واعاقة حركة التجارة، والاستيراد والتصدير، واغلاق المعبر التجاري مع الأردن، والتدمير الممنهج للبنى التحتية خاصة في محافظات شمال الضفة الغربية، عدا عن التدمير الشامل لمقومات الاقتصاد والحياة في قطاع غزة، إضافة الى هجمات المستوطنين، والتي تؤدي يوميا الى خسائر كبيرة في البنى التحتية والممتلكات، مبينا ان كل ما سبق أدى الى تراجع الاقتصاد الفلسطيني، وانكماش الدورة الاقتصادية .
واضاف عفانه انه وتبعا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين بنسبة 29%، إضافة الى ارتفاع نسبة البطالة الى حوالي 51%، عدا عن تضرر منشآت الاعمال، وخاصة المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر، مستطردا : لذا لا بد من سياسات وإجراءات لتعزيز الاقتصاد المحلي، وذلك من خلال توسيع وتعزيز القاعدة الإنتاجية المحلية، من خلال حزمة تحفيزات للقطاع الخاص ولمنشأت الأعمال، للتعافي من آثار الحرب، وخاصة منشآت الاعمال الصغيرة ومتناهية الصغر، والاستثمار في القطاعات الزراعية والصناعية من اجل إحلال الواردات الفلسطينية بدلاً من الإسرائيلية والمستوردة، ولتعظيم الإيرادات المحلية والتخفيف من نسبة البطالة، وإعادة احياء للدورة الاقتصادية.
ويذكر الخبير المالي عفانة ، ان كل ذلك يأتي فقط من خلال تسهيلات بنكية وقروض ميسرة، او عبر إعفاءات من الرسوم والضرائب، او من خلال الزامية شراء المنتج الوطني في العطاءات الحكومية .
ونوه عفانة بأن السبل للخروج من الازمة المالية الحالية بحل سببها الرئيس وهو احتجاز إسرائيل لإيرادات المقاصة، حيث تحتجز حكومة الاحتلال ،لغاية الان (13) مليار شيكل، من شهر 5 من العام الحالي 2025، ولم يتم تحويل أي شيكل لوزارة المالية الفلسطينية، الامر الذي حرم الحزينة العامة من 68% من إيراداتها، وبالتالي لا انفراجة للأزمة المالية دون حلول لقضية المقاصّة، وضرورة الانفكاك من قيودها، ومن هنا توجد ضرورة العمل على كافة المستويات على حلول جوهرية لقضية المقاصّة، كونها سيف مسلط على رقاب الشعب الفلسطيني، وأداة استراتيجية إسرائيلية لتقويض الكيانية الفلسطينية.
ويضيف عفانة انه توجد فرصة من خلال استثمار التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، وزخم مؤتمر نيويورك لحل الدولتين، ومخرجات مؤتمر المانحين، والذي تضمن الإعلان لأول مرة بالالتزام بالعمل على مراجعة بروتوكول باريس الاقتصادي الناظم للعلاقة المالية ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ووضع إطار جديد لتحويل أموال المقاصّة، والعمل بشكل فوري على استراتيجية لاختراق احتجاز إيرادات المقاصة، عبر الضغط الدولي، بالموازاة مع دعوى قانونية كون إسرائيل اخترقت القانون الدولي باحتجاز الإيرادات الفلسطينية، والعمل على حل جذري لازمة المقاصة من خلال تولي دولة ثالثة إدارة هذا الملف، كلياً او جزئيا، من خلال متابعة إجراءاتها المختلفة، خاصة مع التحوّل الرقمي فيه، والعمل على ضمان تحويل المقاصة عبر الدولة الوسيطة.
ويؤكد عفانه، انه وعلى المستوى الاستراتيجي توجد ضرورة لنقل الصلاحيات الجمركية الى السلطة الفلسطينية وتولي وزارة المالية ادارته واجراءاته الجمركية، ان كان في داخل المناطق الفلسطينية او بالتعاون مع دول الجوار، الأمر الذي يمنح السلطة الفلسطينية صلاحيات التخليص الجمركي بشكل مباشر.
و يشير عفانه الى انه ولحين نجاح تلك المسارات المتعلقة بالمقاصة، توجد ضرورة لمواصلة العمل على تجنيد الدعم الدولي، وشبكة الأمان العربية والدولية، لتوفير إيرادات شهرية تكفي لدفع نسبة جيدة من رواتب الموظفين الحكوميين، كونها عنصر حاكم في الدورة الاقتصادية المحلية، وأيضا لضمان تدفق الخدمات الحيوية، وخاصة الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. وللتخفيف من الاحتقان المجتمعي، والضغط الداخلي.
من ناحيته يقول التاجر في حسبة نابلس، رائد سويسة ان البيع والشراء هذه الفترة كما هو لا تغيير، المتضرر الوحيد هو المزارع، الذي يتكبد مبالغ إضافية، بسبب الاغلاقات والحواجز الاحتلالية التي يضطر بسببها الى سلوك طرق التفافية، تكلفه الكثير، كما يتحمل التاجر والمواطن هذه التكلفة الزائدة. مما يزيد العبء والتكلفة، ولا خيار آخر للمواطن الذي يكون بحاجة لهذه السلعة الضرورية للاستهلاك المحلي.
الى ذلك، أكد د.ثابت ابو الروس الخبير والمحلل الاقتصادي ل"واثق نيوز"، ان الإقتصاد الفلسطيني انحدر وتدهور منذ السابع من اكتوبر من العام 2023 ، بشكل مباشر وسريع وكانت أولى نقاط التدهور، بمنع العمالة الفلسطينية من التوجه الى الداخل الفلسطيني المحتل، حيث انها كانت تضخ الى السوق الفلسطيني، ما نسبته مليار واربعمئة مليون شيكل شهريا، وهذا ادى الى توقف ما لا يقل عن ٢٠٠.٠٠٠ عامل من العمال، الذين يعملون في الداخل المحتل. وكانت النقطة الثانية موضوع المقاصة، التي بدأت اسرائيل بتقنينها ، ومنع تحويل الأموال من خلال قوانين وليس قرارات .
واضاف ابو الروس، ان الجانب الإسرائيلي وعبر وزير المالية سموتريتش، امتنعت بشكل كامل من تحويل أموال المقاصة الى السلطة الفلسطينية، تلا ذلك عدة قرارات وكان اخرها الامتناع عن استقبال الشيكل من الجانب الفلسطيني المحول الى الجانب الإسرائيلي، مع العلم أن اتفاقبة باريس تنص على تحويل ١٨ مليار شيكل يتم تحويلها سنويا الى الجانب الإسرائيلي، ومن ناحيتها قامت سلطة النقد الفلسطينية، بتحويل المبلغ كاملا المستحق خلال العام ٢٠٢٥، ولكن كان هناك ضخ كتلة نقدية ضخمة وكبيرة من قبل المستثمرين الإسرائيليين في السوق الفلسطيني، مما ادى الى رفع كتلة النقد الى ما لا يقل عن ١٥ مليار شيكل لدى خزينة سلطة النقد الفلسطينية.
وفي معرض حديثه عن ارتفاع الأسعار التي يعاني منها السوق الفلسطيني، يقول المحلل الاقتصادي ابو الروس، ان تكاليف النقل، دائما وابدا فان المستثمر والتاجر يقوم بتحميل عبئها الى المواطن ، وان ٥٧٪ من حجم التبادلات التجارية تتم ما بين التاجر الفلسطيني والإسرائيلي، وتحديدا في السلع الاساسية مثل، المحروقات، والطاقة الكهربائية، وعندما يمتنع الجانب الإسرائيلي عن توريد السلع للتاجر الفلسطيني، نظرا لعدم قدرة هذا التاجر على تحويل قيمة هذه البضائع للتاجر الإسرائيلي، فانه بالتالي سيلوح في الافق ارتفاع الاسعار، ولا ننسى انه اذا ما انتقلنا الى موضوع الاستيراد من دول العالم الخارجي، فانه هنا لا بد من تنقل عبر الموانىء الإسرائيلية ودائما التاجر الفلسطيني يتعامل مع الوسيط التاجر الإسرائيلي، فسيكون هناك ايضا صعوبة في نقل الاموال، وسيؤدي الى ارتفاع الأسعار.
وينوه ابو الروس ان هناك مسألة مهمه ايضا، اذا قامت اسرائيل برفع يدها عن القطاع البنكي، فهذا سيجشع الاقتصاد الأسود او إقتصاد الظل، وهذا بدوره سيعمل على شح البضائع في السوق الفلسطيني، مما يؤدي الى طلب اكثر من العرض وسيكون هناك ارتفاع تلقائي في الاسعار.
وينقلنا ابو الروس الى ان ايجاد البديل عن البنوك المراسلة، تلقائيا سيكون هناك تكاليف اضافية يدفعها التاجر لنقل الاموال، ثم يقوم يتحويل عبئها على المواطن الفلسطيني
بدورها تقول الموظفة "فاتن" ان الموظف اصبح بين امرين اما ان يصبر ويتأقلم مع هذا الوضع الصعب، او ان يخرج الى سوق العمل لتأمين احتياجات بيته وأولاده سواء الرجل او المرأة على حد سواء، ولا بد من عمل آخر الى جانب الوظيفة، التي لا تفي باحتياجات البيت الاسري، مع غلاء اسعار العديد من السلع الضرورية، والتي يحتاجها كل بيت.
الفرص المتاحة ..
على الرغم من كل التحديات ، فإن هناك فرصا للنمو اذا ما تحسنت البيئة الاستثمارية، وقلصت القيود، وتوفرت بيئة مستقرة للشباب والكفاءات حيث انها مخزون بشري يمكن استثماره، وتمكنت الهيئات المختصة من توزيع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على دولة الإحتلال.
وفي النهاية يمكننا القول إن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية هو وضع منهك، واعدّ ضمن بيئة إحتلال، وعجز في السيادة الاقتصادية، التي حولت الضفة الى كنتونات، عاجزة عن سد رمقها، وايجاد فرصها للخلاص من هذه التبعية المدمرة .



