آراء

في المنام… جلستُ مع "أبو العبد"

28 مشاهدة
في المنام… جلستُ مع "أبو العبد"

الكاتب: عبد العظيم عبد الحق حسن

 
رأيتُ كأنني أسير في غزة بعد الحرب.
البيوت ركام، والطرقات موحشة، ورائحة الغبار تختلط برائحة البحر والدمع.
كان الليل ثقيلاً، كأن السماء نفسها تحمل وجع الناس.
وفجأة رأيته.
كان يمشي بهدوء بين الركام…
الأخ الشهيد أبو العبد، إسماعيل هنية رحمه الله.
اقترب مني، تعانقنا طويلاً دون كلام.
شعرتُ أننا لا نمثل فتح وحماس فقط، بل نمثل شعباً كاملاً تعب من النزيف والانقسام والانتظار.
قلت له: يا أبا العبد… إلى أين وصلنا؟
نظر حوله طويلاً، ثم قال: وصلنا إلى امتحان فلسطين الأصعب.
قلت: لكن يا أخي… ألم يكن يمكن أن نتجنب كل هذا؟
منذ عام 1994 ونحن نسير في طريقين.
نحن قلنا: لنجرّب السياسة، ولنفتح نافذة للعالم، ولنؤسس سلطة ومؤسسات ودولة تأتي بالتدرج.
وأنتم قلتم: لا، هذا الطريق لن يصل.
يا أبا العبد… لماذا لم تعطوا المشروع الوطني فرصة كاملة قبل الحكم عليه؟
تنهد رحمه الله وقال: كنا نخشى أن تضيع فلسطين في دهاليز السياسة والتسويات.
قلت: لكن ماذا كانت النتيجة؟
ألم نضعف جميعاً؟
ألم ينتصر الانقسام علينا جميعاً؟
ألم تتحول غزة من مشروع تحرر إلى ساحة حرب دائمة؟
سكت قليلاً، ثم قال: وكأنك تحمل حماس وحدها كل الوجع.
قلت له بهدوء: لا… والله لا أقول إن فتح بلا أخطاء، ولا إن السلطة كانت كاملة.
لكن اسمعني يا أبا العبد…
نحن حاولنا أن نبني شيئاً للعالم اسمه فلسطين.
علم في الأمم المتحدة، ومؤسسات، واعتراف دولي، وجواز سفر، ومطار، ومعابر، وحلم دولة.
كان يمكن أن نختلف داخل البيت الواحد… لا أن يصبح لكل فلسطيني وطنان وسلطتان وروايتان.
ثم نظرتُ إليه وقلت: أتعرف ما أكثر ما يؤلمني؟
أننا كنا دائماً نقول “التوافق الوطني”…
لكننا لم نصل إليه لأن كل طرف كان يخشى أن يتراجع خطوة.
ثم قلت له: يا أبا العبد…
نحن في فتح بقينا واقفين على الأرض نحاول أن نمسك الممكن كي لا يضيع كل شيء.
أما أنتم فصعدتم إلى غصن عالٍ جداً… إلى سقف أكبر من قدرة شعبنا وميزان هذا العالم.
نظر إليّ طويلاً… ولم يغضب.
قال بصوت خافت: وهل تظن أنني لا أرى حجم الدم والخراب؟
قلت: إذن لماذا لا ننزل جميعاً إلى الأرض؟
إلى أرض فلسطين الواحدة…
إلى كلمة سواء بيننا…
إلى برنامج يحمي شعبنا بدل أن يستهلكه؟
لماذا لا تصبح منظمة التحرير بيت الجميع فعلاً؟
ولماذا لا يصبح السلاح والقرار والتمثيل لشعب واحد لا لمعسكرات متقابلة؟
اقترب مني أبو العبد، ووضع يده على كتفي وقال: أتعرف ما مأساة الفلسطيني يا أخي؟
قلت: ما هي؟
قال: أن كل واحد منا كان يظن أنه وحده يحمي فلسطين… بينما فلسطين كانت تحتاجنا جميعاً.
ثم بدأ صوته يبتعد شيئاً فشيئاً، وقال:
لا تجعلوا الدم الأخير يذهب هدراً…
ولا تجعلوا غزة آخر فصول الانقسام…
فالشعوب لا تنتصر حين تتغلب الفصائل على بعضها، بل حين تتغلب على جراحها.
استيقظتُ من النوم…
وكان أول ما خطر في بالي: ربما لم يعد أمام الفلسطينيين ترف الانقسام، ولا ترف الانتصار الحزبي، ولا ترف الشعارات العالية.
ربما لم يعد أمامنا إلا طريق واحد: أن نعود شعباً واحداً… قبل أن نصبح حكايات متفرقة فوق ركام وطن.

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية