رئيس التحرير

الفكر المعطوب ينتج مأزقاً

69 مشاهدة
الفكر المعطوب ينتج مأزقاً

الكاتب : واصل الخطيب

رئيس التحرير

لم تكن القضية الفلسطينية يوماً مجرد صراع على الأرض أو نزاع حدودي بين شعبين، بل كانت وما تزال مواجهة بين روايتين؛ رواية تستند إلى الحق التاريخي والوجود الإنساني المتجذر في المكان، ورواية أخرى قامت على بناء أسطوري جرى تسويقه سياسياً وثقافياً وإعلامياً حتى أصبح لدى كثيرين حقيقة لا تقبل النقاش. ومن هنا يمكن فهم أن المأزق الذي تعيشه المنطقة اليوم ليس مأزقاً سياسياً فحسب، بل هو في جوهره مأزق فكري ناتج عن وعي معطوب أنتج قراءات مشوهة للتاريخ والواقع معاً.

لقد نجحت الحركة الصهيونية منذ بداياتها في تحويل مجموعة من الأساطير الدينية والتصورات الأيديولوجية إلى مشروع سياسي استعماري متكامل. فأسطورة "الأرض الموعودة" وأسطورة "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" لم تكونا مجرد شعارات دعائية، بل شكلتا الأساس الفكري الذي بُني عليه مشروع اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإحلال جماعات مهاجرة مكانه. ولم يكن الهدف إقناع اليهود وحدهم بهذه السردية، بل إقناع العالم بأسره بأن الاحتلال هو عودة، وأن الاستيطان هو حق تاريخي، وأن الضحية الحقيقية هي الجلاد لا المجلود.

إن فهم هذه الأساطير الصهيونية يمثل شرطاً أساسياً لبناء الوعي الفلسطيني السليم. فالشعب الذي يدرك طبيعة المشروع الذي يستهدفه يستطيع أن يحصّن نفسه من محاولات التزييف والتضليل. ولذلك بقي الفلسطيني، رغم عقود التهجير والحروب والحصار، أكثر تمسكاً بقضيته وأكثر قدرة على تمييز الحقائق من كثير من المحيطين به. فالفلسطيني لا يتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للتفاوض فحسب، بل باعتبارها قضية وجود وحقوق وهوية وذاكرة جماعية.

في المقابل، شهد الوعي العربي خلال العقود الأخيرة حالة من التراجع والاضمحلال تجاه القضية الفلسطينية. ولم يكن هذا التراجع نتيجة تغير الحقائق أو سقوط الحجج الفلسطينية، بل نتيجة تحولات فكرية وسياسية وإعلامية عميقة. فقد انتقلت القضية في أذهان كثيرين من كونها قضية مركزية للأمة إلى مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار. وترافق ذلك مع حملات منظمة لإعادة تعريف الصراع وتغيير أولوياته، بحيث أصبح الاحتلال في بعض الخطابات أمراً ثانوياً مقارنة بقضايا أخرى جرى تضخيمها أو توظيفها سياسياً.

وقد ساهمت حالة التفكك العربي والانشغال بالصراعات الداخلية في إضعاف الارتباط الوجداني والمعرفي بالقضية الفلسطينية. فالأجيال الجديدة في العديد من البلدان العربية لم تتلقَّ معرفة حقيقية بتاريخ فلسطين ولا بطبيعة المشروع الصهيوني، بل تعرضت لروايات مشوشة ومبتورة جعلت من القضية حدثاً تاريخياً قديماً بدلاً من كونها قضية حية مستمرة. وهنا يظهر أثر الفكر المعطوب الذي لا يكتفي بإنتاج الجهل، بل ينتج أيضاً اللامبالاة والعجز عن إدراك المخاطر الاستراتيجية التي يمثلها المشروع الصهيوني على المنطقة بأسرها.

إن أخطر ما في الأساطير الصهيونية أنها لا تسعى إلى احتلال الأرض فقط، بل إلى احتلال الوعي أيضاً. وعندما ينجح المحتل في فرض روايته على الضحية أو على محيطها، يصبح الدفاع عن الحق أكثر صعوبة. لذلك فإن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الأرض. فالحفاظ على الرواية الفلسطينية وتفكيك الأساطير المؤسسة للمشروع الصهيوني يمثلان واجباً ثقافياً وسياسياً وأخلاقياً في آن واحد.

إن استعادة الوعي العربي بالقضية الفلسطينية لا تبدأ بالشعارات، بل تبدأ بإعادة بناء المعرفة. فكل مشروع تحرري يحتاج إلى وعي نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة والأسطورة، وبين التاريخ والدعاية، وبين الحق والادعاء. وعندما يدرك العرب أن القضية الفلسطينية ليست عبئاً على حاضرهم بل جزء من أمنهم وهويتهم ومستقبلهم، يمكن حينها الحديث عن نهضة حقيقية في الموقف العربي.

لقد أثبتت التجربة أن الفكر السليم ينتج رؤية واضحة ومواقف متماسكة، بينما ينتج الفكر المعطوب مأزقاً دائماً، تتداخل فيه الهزيمة النفسية مع الارتباك السياسي. ومن هنا فإن معركة الفلسطيني اليوم ليست فقط ضد الاحتلال، بل أيضاً ضد كل أشكال التشويه المعرفي التي تستهدف الحقيقة. فالأمم لا تخسر قضاياها حين تُهزم عسكرياً فحسب، بل حين تفقد قدرتها على فهم ذاتها وفهم عدوها. وعند هذه النقطة تحديداً يصبح الوعي أول أشكال المقاومة وآخر خطوط الدفاع عن الحق.

لقد أشار عالم الاجتماع العراقي علي الوردي إلى أن المجتمعات العربية كثيراً ما تقع في أسر ما أسماه "ازدواج الشخصية الاجتماعية"، حيث يتبنى الفرد خطاباً مثالياً في العلن، بينما تحكم سلوكه في الواقع اعتبارات المصلحة والقوة والظروف السياسية. ومن هذا المنظور يمكن فهم جانب من تراجع الوعي العربي بالقضية الفلسطينية؛ إذ بقيت فلسطين حاضرة في الخطاب العاطفي والشعاراتي، لكنها تراجعت في سلم الأولويات العملية والسياسية لدى قطاعات واسعة من النخب والجماهير. فالفجوة بين القول والفعل التي تحدث عنها الوردي أنتجت حالة من التناقض جعلت الالتزام بالقضية أقرب إلى الموقف الأخلاقي المجرد منه إلى مشروع سياسي وثقافي مستدام.

كما يؤكد الوردي أن الأفكار الخاطئة حين تتحول إلى مسلمات اجتماعية تصبح أكثر خطورة من الجهل ذاته، لأنها تعيق القدرة على النقد والمراجعة. ومن هنا فإن قبول الروايات الصهيونية أو التعامل معها بوصفها حقائق تاريخية دون تمحيص يمثل نموذجاً لما يمكن تسميته بالفكر المعطوب؛ ذلك الفكر الذي يفقد القدرة على تحليل الوقائع وفق منطق علمي، ويستبدل المعرفة بالدعاية، والحقائق بالصور النمطية. وعندما يتعطل التفكير النقدي يصبح المجتمع أكثر قابلية لتبني سرديات الآخر، حتى وإن كانت تتعارض مع حقائقه التاريخية ومصالحه الاستراتيجية.

ولو طبقنا منهج الوردي في دراسة الظواهر الاجتماعية على القضية الفلسطينية، لوجدنا أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السياسة، لأن الهزيمة الفكرية تسبق في كثير من الأحيان الهزيمة السياسية. فالأمم التي تفقد قدرتها على قراءة الواقع قراءة علمية تصبح أسيرة للأوهام، بينما الأمم التي تمتلك وعياً نقدياً قادراً على تفكيك الأساطير والدعايات تكون أكثر قدرة على حماية حقوقها والدفاع عن قضاياها المصيرية.

 

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية