طوباس -واثق نيوز -سهير سلامة-لم تعد قرية تياسير، شرق مدينة طوباس على مشارف الأغوار الشمالية، كما كانت قبل أسابيع قليلة. فمع إقامة بؤرة استيطانية رعوية بين القرية وجارتها العقبة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التوتر، عنوانها الاعتداءات اليومية وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس نمطا متكررا من فرض الوقائع الميدانية في الأغوار.
البؤرة الجديدة، التي بدأت بخيمة واحدة، سرعان ما توسعت لتضم عدة خيام وقطيع أغنام، بالتوازي مع اعتداءات متكررة طالت المزارعين وبيوتهم البلاستيكية، ما جعل الوصول إلى الأراضي محفوفا بالمخاطر، خصوصا في المناطق الجبلية القريبة.
وفي هذا السياق ، يقول رئيس مجلس قروي تياسير، هاني أبو علي، إن المستوطنين أقاموا البؤرة قبل نحو ثلاثة أسابيع، في منطقة مصنفة A، قرب منازل المواطنين، قبل أن ينقلوها أكثر من مرة، إلى أن استقروا بها حاليا بين تياسير والعقبة، في أرض مصنفة "ج" ، في موقع استراتيجي يلاصق الأراضي الزراعية.
وبين أبو علي، أن الاعتداءات تصاعدت بشكل ملحوظ منذ إقامة البؤرة، إذ يتعرض الأهالي لهجمات عند توجههم إلى أراضيهم، كما تم تخريب وتمزيق عدد من البيوت البلاستيكية، مؤكدا أن "كل من يذهب منفردا إلى أرضه يتعرض للاعتداء.
وفي خضم هذه الاعتداءات، استشهد الشاب علاء خالد فارس صبيح (28 عاما)، بعد إصابته برصاص مستوطنين خلال توجهه مع شبان آخرين للدفاع عن بيوت بلاستيكية تعرضت لمحاولة تخريب.
ويقول أبو علي، إن الشبان لم يهاجموا البؤرة، بل توجهوا لحماية مصدر رزقهم، إلا أن المستوطنين أطلقوا النار عليهم، ما أدى إلى إصابة علاء، وقد تُرك ينزف قبل أن يتم احتجازه ونقله إلى داخل البؤرة، حيث استشهد متأثرا بجراحه.
وينحدر صبيح من عائلة تعتمد على الزراعة، وكان يعمل آذن مدرسة بنظام المياومة، ولا يزال جيش الاحتلال يحتجز جثمانه حتى الآن.
ويوضح الباحث في معهد أبحاث الأراضي رائد موقدي، أن موقع البؤرة الاستيطانية بين تياسير والعقبة ليس عشوائيا، بل يأتي ضمن مخطط أوسع للسيطرة على المنطقة.
ويقول في تعقيب له إن البؤرة أقيمت في منطقة تشكل حلقة وصل بين ثلاثة تجمعات فلسطينية: تياسير، العقبة، وخربة ابزيق، ما يعني أنها قد تؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي بينها، إلى جانب السيطرة على نحو 600 دونم من الأراضي الزراعية.
وأضاف أن هذه المنطقة تقع ضمن الامتداد الشمالي لوادي المالح، الذي يشهد أطماعا استيطانية متزايدة، مشيرا إلى أن البؤر الرعوية باتت أداة رئيسة للسيطرة على الأراضي، عبر منع الرعاة والمزارعين من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه.
وخلال السنوات الأربع الماضية، أُنشئت ما لا يقل عن 21 بؤرة رعوية في الضفة الغربية، وفق موقدي، ترافقت مع تسييج 14 ألف دونم من الأراضي، والسيطرة على ينابيع المياه، بينها نبع مياه المالح والساكوت، والعوجا وغيرها، ما ألحق أضرارا جسيمة بقطاع الثروة الحيوانية والزراعة.
وفي تياسير، يتجلى هذا الواقع بشكل واضح، حيث يشتكي السكان من وجود دائم للجيش الإسرائيلي في محيط البؤرة، وتوفير الحماية للمستوطنين، إلى جانب إعلان المناطق المحيطة “عسكرية مغلقة” في بعض الأحيان، ما يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
ولم تقتصر الاعتداءات على السكان، بل طالت أيضا الصحفيين. فقد تعرض طاقم شبكة “سي إن إن” الأميركية لاعتداء من قبل جنود إسرائيليين أثناء تغطيته إقامة البؤرة، وقد أظهرت مشاهد مصورة مطالبة الجنود للطاقم بإيقاف التصوير، وسط سلوك وُصف بالعنيف.
ويرى مراقبون أن ما يجري في تياسير يعكس سياسة أوسع في الأغوار الشمالية، تقوم على خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، عبر التضييق المستمر والاعتداءات المتكررة، دون الحاجة إلى قرارات رسمية مباشرة.
وتؤكد هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في بيان صحفي، أن اعتداءات المستوطنين شهدت تصاعدا من حيث التنظيم والاتساع، وشملت إطلاق نار مباشر وإحراق منازل وممتلكات وفرض وقائع ميدانية جديدة.
ومع تراجع القدرة على الوصول إلى الأراضي، وتزايد المخاطر اليومية، يخشى السكان من أن تؤدي هذه الظروف إلى دفعهم قسرا لمغادرة مناطقهم، في إطار ما يُعرف بـ”التهجير الصامت”، الذي يهدد بتغيير الواقع الديمغرافي في المنطقة.
في ظل ذلك، تبقى تياسير نموذجا مكثفا لما تشهده الأغوار، بؤر تتوسع، وأراض تُغلق، وسكان يواجهون يوميا معركة البقاء على أرضهم.