مخيم طولكرم -واثق نيوز ـ تقرير : سهير سلامة- يُشكل النزوح القسري واقعا إنسانيا مؤلما تعيشه شعوب كثيرة حول العالم، حيث يُرغم الأفراد على مغادرة بيوتهم وأراضيهم، تحت وطأة الخوف، والعنف والتهديد، دون أن تتاح لهم فرصة الاختيار. هذا النوع من النزوح لا يقتصر على الانتقال الجغرافي فحسب، بل يترك آثارا عميقة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ويُفقد الإنسان شعوره بالأمان والاستقرار، ومع تزايد الأزمات والنزاعات، بات النزوح القسري تحديا إنسانيًا وأخلاقيا، يستدعي تضافر الجهود لحماية المتضررين وضمان حقوقهم الأساسية.
في لحظةٍ واحدة، قد يتحول البيت الذي كان ملاذا للأمان إلى ذكرى بعيدة، ويصبح الطريق المجهول هو الواقع الجديد، هكذا يبدأ النزوح القسري، حكاية إنسان يُجبر على الرحيل لا لأنه أراد، بل لأن الخوف والعنف، سلباه حق البقاء، خلف كل نازح قصة فقدٍ وانتظار، وحنينٍ إلى مكانٍ لم يعد كما كان.
النزوح القسري ليس مجرد حركة من مكان إلى آخر، بل جرحٌ مفتوح في حياة الأفراد والمجتمعات، يترك أثره على الحاضر ويُثقل المستقبل، ويذكر العالم بحجم المعاناة التي يولدها الظلم وغياب الأمان.
بيت دافئ ...
كان البيت ما يزال دافئا حين أُغلق بابه للمرة الأخيرة، ولم يكن أحد يعرف إن كان سيُفتح من جديد، حملت العائلة ما استطاعت من الذكريات قبل الأمتعة، وخرجت بخطواتٍ مترددة نحو طريقٍ لم تختَره، هكذا يبدأ النزوح القسري، ليس كقرار، بل كحكاية فَرضها الخوف والتهديد، تتغير الأمكنة، وتبقى القلوب معلقة عند بابٍ تُرك خلفهم مفتوحا على مصراعيه، وأحلام أُجلت إلى زمن غير معلوم. في كل رحلة نزوح قصة إنسان، وفي كل قصة وجع صامت يروي معنى فقدان الأمان والاقتلاع من الجذور، لم تكن عزه تعلم اين ستحط بها الرحال، ام إلى اين المسير، سوى انها وضعت ثياب الصلاة عليها، وخرجت على امل العودة، ... العودة بعد ساعة او ساعتين، وان طالت فتكون يوما، او يومين.
عزة جمال بركة "٣٥ عاما"، من مخيم طولكرم، من لاجئة تحلم بيافا وبرتقالها، ورائحة ترابها، الى نازحة، تحلم بالعودة الى مخيم اللاجئين، الذي ارغمت على الخروج منه، بعد ان استنفدت كل وسائل البقاء والعيش تحت ظل القصف والرصاص والخوف، والتدمير.
الان عزة كمثيلاتها من امهات المخيم، خروج قسري ووصول لاقرب مكان تحط رحالها به لتهدئ نفسها اولا وتستطيع استيعاب ما جرى، رحلتها حطت بها، في بلدة اكتابا، "عزبة ابو بلال" ، شرق مدينة طولكرم.
بداية النزوح ...
تقول عزة جمال وهي ام لاربعة ابناء، "خرجنا من بيتنا بتاريخ ٢٠٢٥/١/٢٨، في بداية الاقتحام، ابلغنا الجيش الاسرائيلي عن قيامة بعملية عسكرية كبيرة في مخيم طولكرم، كنت في بيتي آمنة مع اطفالي وزوجي، تعرض المخيم لعدة اقتحامات قبل ذلك ولم اخرج يوما واحدا من بيتي، تعرض المخيم لعدة اقتحامات كبيرة وواسعه جدا منذ 7 اكتوبر لغايه اللحظة التي نزحنا منها، ولكنني كنت في كل مرة صابرة محتسبة راضية بقضائي، ثابتة في موقفي، صامدة في بيتي، ولم أتزحزح ابدا، الى ان جاء اليوم المشؤوم، دخل الجيش مقتحما وقتها بكل شراسة وعنف طائرات في السماء وطائرات الدورون و اصوات الرصاص من كل مكان، الناس يهرعون الى بيوتهم يأخذون ممتلكاتهم البسيطة جدا ، ويخرجون من منازلهم . كنت ارى جيراني يأخذون البعض القليل من اغراضهم، على امل ان الاقتحام يستمر يومين ويعودون، كما باقي الاقتحامات الاخرى، كنت ارى الخوف والحزن والذعر في عيون الناس، هذه النظرة كنت اراها بعيني جدتي وجدي عندما كانا يحدثاني عن التغريبة الفلسطينية، وعن النكبة في عام 1948، وكأن التاريخ يعيد نفسه، في مخيمات الشمال، ومخيم طولكرم واحد منها، طلبت وقتها من زوجي وابنائي ان يغادروا البيت متجهين الى منطقة آمنه خارج المخيم وان ابقى انا في منزلي حتى لا يقتحمه الجيش واحافظ على المنزل، خلال يومين ويخرج الجيش، ويعود ابنائي، وزوجي، ولكن زوجي هنا رفض هذه الفكرة، واصر علي ان اخرج معه والاولاد، الى بيت قريبة لنا في عزبة اكتابا، وقال لي انه عندما يخرج الجيش خلال اليومين القادمين سنعود جميعا، رفضت في البداية ذلك القرار ولكن من خوفي الشديد على ابنائي وحرصي عليهم، قررت لاول مرة ان اخرج من بيتي ولكني خرجت متأكده ومتيقنة انني ساعود خلال يومين، فلم اخذ معي شيئا ابدا لا اوراق رسمية ولا ملابس ولا امور تخصني ابدا فقط ارتديت ملابس الصلاة، وخرجت وقتها من البيت.
طبخة لم تأكل ...
وتذكر عزة انه في وقتها، كنت احضر طبخة الملفوف، كانت الساعة وقت الغداء الثانية ظهرا ، فقررت ان آخذ هذه الطبخة معي الى المكان الذي سأذهب اليه، وقلت لابنائي بانها ستكون رحله قصيرة (شطحة)، ناكل من خلالها الطبخة ونرجع الى بيوتنا، وبالفعل خرجت في 28 /1، من بيتي بملابسي التي كانت علي في البيت، مرّ اليوم الأول علي وانا انتظر اللحظة التي سيخرجون فيها ومرّ اليوم الثاني علي، وانا في اشد الحاجة للعودة الى منزلي، كل يوم كان يمر يزيد اصراري على الرجوع الى منزلي ولكن كانت الاقتحامات في هذين اليومين كبيرة جدا، فكانوا يخرجون الناس من بيوتهم بالاكراه والاجبار كانوا يدخلون على البيوت التي تحوي الناس، يكسرون كل ما فيها حتى يجبر الناس على الخروج من بيوتهم ولا يبقى احد فيها ، وعمدوا على جعل المنازل التي داخل المخيم، ثكنات عسكرية لهم، وقاموا بالتغلغل رويدا رويدا الى كل منزل في المخيم كمرض السرطان الخبيث، ما يلبث وينتشر بسرعة كالهشيم، في جسم الانسان الهزيل الضعيف.
وتضيف عزه والدموع تغمر عيونها التي تأبى الا وان لا تفارقها حيطان منزلها ومخيمها، رافضة ان ترى غيرها ولو كانت جنانا بنظر العالمين، "نحن ذهبنا الى بيت اخت زوجي، عشنا هناك مع خمس عائلات من اقاربنا لم يكن في البداية احد لديه منزل خارج المخيم، ولا نستطيع ان نستأجر منزلا آخر، ونذهب اليه فاضطررنا الى ان نجلس جميعا في بيت واحد، عدد افراده جميعا 45 فردا ، كان به كبار السن، والصغار، والشباب، رجالا ونساء، يافعات، يافعين كلنا في نفس البيت، حيث كان هذا البيت يحتوي على عدة غرف قمنا بتقسيم انفسنا غرفة نساء، وغرفة كبار بالسن، غرفة شباب، وغرفة اطفال.
نزوح في الاجواء الباردة ...
وتؤكد عزة انهم وعند خروجهم، كان الجو باردا جدا، كان فصل الشتاء، كانت الامطار غزيرة، كان الناس يشعرون بالبرد الشديد، ولم يكن في البيت الذي ذهبنا اليه كامل الامكانيات، يعني لم يكن في هذا البيت فرش واغطية كافية، فهي منطقة جبلية، باردة جدا، ولم يكن هناك وسائل تدفئة غير الحطب، اولادي جميعا واولاد اقاربي تعرضوا للمرض حيث انهم غير معتادين على جو الجبل، وبرودته، ولكنها من اصعب اللحظات التي عشت بها خلال فترة النزوح ... انني بعدما كنت اعيش انا وابنائي جميعا في بيت واحد كل منهما لديه غرفته وسريره وغطائه، اصبحوا الان يتقاسمون الفرش و الاغطية مع الآخرين، تشتت عائلتي وتشتت ابنائي، كل واحد منهم اصبح ينام في منطقة، و غاب الاستقرار والأمان، ولم نحصل على الاستقرار الاسري ابدا بعد ذلك اليوم، ولم يذهب ابنائي بعدها ابدا الى المدرسة، وكان في ذلك الوقت، لدي طالب توجيهي، ابني لم استطع ان ادرسه حرفا واحدا من مادته، فقدنا اغلى ما نملك، فكنا فقط نفكر في الرجوع، إلى بيوتنا، ولم اكن افكر ابدا في اي شيء آخر، اقول له سأقوم بتدريسك المادة التي "راحت عليك"، عندما نرجع الى بيوتنا، لانعدام القدرة على التركيز في ظل الاكتظاظ الذي كنا نعانيه في المنزل الذي نزحنا إليه، هذا كان مانعا لنا جميعا من ممارسة حياتنا الطبيعية، فانا حرمت من حياتي وابسط مقوماتها الطبيعية لي كامرأة، لا استطيع تدريس ابنائي، لا استطيع الحديث مع زوجي، لا استطيع التكلم مع ابنتي، تشتتنا. . تشتتنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كنت دائما خلال الفترة الاولى اراقب بدقة الاحداث التي تحدث في المخيم، كنت اسمع أصوات الرصاص، وكنت أتمنى ان يعلنوا عن وقف العملية العسكرية، وخروج الجيش من المخيم، وعودة الناس الى بيوتهم، اصبح الامل يتلاشى شيئا فشيئا، ولكن العزم والاصرار موجودان، ونحن اصحاب حق، والحق لا يموت، والعودة واجبة، لا محالة .
اللحظات الصعبة ...
وتستطرد عزة حديثها الذي لا ينتهي ، ان أصعب اللحظات عليها، كانت عندما قرر الجيش الاسرائيلي، هدم بعض البيوت في المخيم لشق الطرق حسب مخططاتهم التي جاؤوا بها، جازفت وقتها ودخلت الى المخيم مع النساء اللواتي قررن الدخول الى المخيم، لنأخذ بعضا من مقتنياتنا ، وعندما سمح لنا ودخلنا الى المخيم لاول مرة، بكيت كثيرا ... كانت الدموع غزيرة، اصبح المخيم عبارة عن ساحة حرب اشبه بغزة، ولكن بشكل مصغر من الدمار والخراب، وعمليات الهدم، والحرق، صعقت مما رأيت ، اصبح المخيم عبارة عن منطقة اشباح بما تعنيه الكلمة من معنى، فقررت ان اذهب الى بيتي وارى ماذا حل به، فالحارة التي كنت اسكن بها مدمرة بالكامل، بيوت محروقة، بنايات سكنية مكونة من خمسة او اربعة طوابق مهدمة بالكامل لشق الطرق، معالم المخيم جميعها مختلفة تماما، ركضت وقتها لاذهب الى منزلي اطمئن عليه اشم رائحته ولكني رأيت المنزل مدمرا بالكامل، أحلامي وأحلام أولادي،ذكرياتنا، صورنا، كلها مغيبة تماما، ورائحه الدمار، تفوح من المنزل، وقفت حزينة لا اعرف ماذا سأفعل والدموع في عيني، لا اعرف ماذا سأحمل معي، نظرت قليلا الى الغرف ودعت البيت وخرجت مسرعة ولا ارى امامي سوى، حياه النزوح .
نحاول أن نبقى أقوياء ...
وتكمل عزة : نحن لا زلنا نازحين من قرابة 333 يوما، ونحن بعيدون عن بيوتنا، ومخيمنا، ولكننا نحاول ان نبقى اقوياء قدر المستطاع، ابنائي صابرين، لانه ما في حق بروح، الامل موجود، والعودة اكيدة، الى بيتي والى مخيمي، الذي يعتبر نقطة عودتي الى بلادي الاصلية، التي هجرت منها في العام 48، انا كنت بالبداية اعتبر نفسي انني لاجئة من حيفا . كنت اقول لابنائي اننا سنرجع إلى حيفا، ونرجع الى بلادنا يوما ما، والامل دائما موجود، والان اصبحت نازحة، احمل كلمة نازحة، اتمنى ان اعود الى ازقة المخيم، ورائحة بيوت الحارات والزقاق، التي كانت تروي حكايات كل بيت. واتمنى ايضا من مخيمي ان اعود الى حيفا ويافا . فحياة النزوح صعبة جدا.
حكايات وروايات لا تنتهي، ولن تنتهي، وعزة لها مثيلات وامثال، خرجوا على امل العودة، ولكن لم ينسوا ولن ينسوا الديار والجدران والحارات التي تقاسموا فيها لقمة واحدة، يوما ما، ولن ينتهي الامل الا بانتهاء الاحتلال، وارجاع الحق المسلوب الى اهله، مهما طالت الايام والسنين، وتبدل الأهل والابناء، فلا زال حلم العودة يراود الصغير قبل الكبير، والاثر يبقى ولن يختفي ابدا.