الكاتب : عبد الفتاح دولة
تعود إلينا اليوم ذكرى انتفاضة الحجارة الكبرى، تلك اللحظة المفصلية التي انتفض فيها الشعب الفلسطيني من قلب الوطن المحتل، بأيدي الشباب والأطفال والنساء والعُزّل، ليعلن أن الحرية قدر لا يمكن التراجع عنه. انتفاضة خرجت من الأزقة والمخيمات والشوارع، بلا سلاح سوى الإرادة والحجر، لكنها استطاعت أن تفرض حضور القضية على العالم، وأن تؤكد أن الفلسطيني ليس مجرد ضحية، بل صاحب حق ومشروع تحرّر.
نستعيد هذه الذكرى اليوم فيما مرّ على شعبنا " 77 عامًا" تحت الاحتلال الذي يواصل حربه المفتوحة لفرض الهيمنة وطمس الهوية، وفي لحظة هي من الأصعب في التاريخ الفلسطيني بعد عامين من الإبادة الجماعية والدمار الشامل في قطاع غزة، وحرب مستمرة وشاملة على وجود وحقوق الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. من توسيع متصاعد للاستيطان، ومحاولات طرد واقتلاع، وتنامي اعتداءات المستعمرين، وفرض حقائق عدوانية على الأرض في محاولة لإغلاق الباب أمام تجسيد الدولة الفلسطينة بكامل سيادتها؛ بينما يتقدم شعبنا بالدم والصمود وبالإصرار على الحياة، رافضًا كل مشاريع الإلغاء والاستسلام.
ورغم شراسة العدوان، يشهد العالم تناميًا في الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، واتساعًا في التضامن الشعبي مع حقوقنا، وتحوّلًا في الوعي العالمي لصالح رواية الحق الفلسطينية. شعوب من مختلف القارات خرجت إلى الشوارع رافعة علم فلسطين، مُدينة الجرائم، ومطالبة بالعدالة والحرية. هذه اللحظة الدولية تمنح قضيتنا نافذة نضال جديدة، لكنها تتطلب، كما علمنا التاريخ، حاضنة شعبية فاعلة وأدوات مقاومة مستمرة.
انتفاضة الحجارة لا تُستذكر بوصفها حدثًا ماضويًا، بل تجربة يمكن البناء عليها اليوم. فقد قدّمت نموذجًا حيًّا للمقاومة الشعبية الشاملة، تلك التي توحّد المجتمع بكل فئاته في مشروع تحرّر واحد . واليوم، ومع كل التحديات التي تواجه قضيتنا، تبرز الحاجة لإحياء هذا النهج الوطني الذي يحميه القانون الدولي، ويمنح الجماهير مساحة الفعل، ويعيد الاعتبار لقوة الشارع الفلسطيني وللتحرك الشعبي المنظم، كخيار قادر على مواجهة الاستيطان والعدوان والتهجير، وتمهيد الطريق نحو تحقيق الحرية وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الوطني.
الذكرى ليست مجرد استرجاع لماضٍ مجيد، بل دعوة عملية إلى تحويل إرث الحجر إلى برنامج نضالي شعبي معاصر، يستند إلى وحدة الإرادة وتكامل الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية والميدانية، ليبقى صوت فلسطين عاليًا، وصمود شعبها شاهدًا على أن الحق لا يموت مادام وراءه شعب حي.
* الناطق الرسمي بإسم حركة "فتح"