نابلس-واثق نيوز ـ سهير سلامة- تعاني "أم منصور" بصمت، لا يسمعه أحد، كل صباح تستيقظ وفي قلبها ثقل لا يزول، تتفقد هاتفها علها تسمع خبرا يطمئنها، أو صوت "حمزة"، يعبر الأسلاك ويقول: أنا بخير يا أمي.
غيابه ليس مجرد فراغ في البيت، بل كسر في الروح، كما تقول والدة المعتقل حمزة بشار منصور، "١٧" عاما، من مدينة نابلس، كرسيه الفارغ، وصورته لا تغادر مخيلتها، وقلقها يسهر بدلا عنها كل ليلة.
هي لا تبكي أمام الناس، لكنها حين تخلو بنفسها تنهار، تشعر بالعجز، وبالظلم، وبقهر الانتظار، تحمل ذنوب العالم في قلبها، وتتساءل: هل قصرت؟ هل كان بيدي أن أمنع هذا المصير؟
ومع ذلك… لا تتوقف عن الدعاء.
تتشبث بالأمل كما تتشبث الأم بابنها، مهما اشتدت العواصف، معاناة الأم ليست في السجن، بل في قلبها المحبوس هناك، يقضي العقوبة كاملة… دون أن يدان.
تقول ام منصور ان حمزة يختلف عن بقية اخوته، بتعلقه الكبير بها، رغم ان أبنائها جميعا متعلقون بوالدتهم، الا انه كان الأكثر، والاحن، والاقرب، بعد زواج اخيه واخته، وقد كان بمثابة الروح التي تعيدني الى الوجود من جديد كل يوم.
حمزة المعتقل في سجن مجدو منذ عام وبدون محاكمة، وانما يتم التجديد له بالسجن الاداري، كل اربعة اشهر، لم يكمل دراسته الثانوية بعد، ولكن فكره وعقله لا يقاس بالعمر كما تضيف "ام منصور" ، وتؤكد انه كان يامل امتلاك العاب الكمبيوتر ، وفي كل مرة يأخذني لاشتري له ex box و play staicien، وكنت وعدته ان اشتريها له عندما يخرج من السجن، ومنذ صغره وهو يحب العاب الكمبيوتر واللبس ذو اللون الجيشي، وله اغراضه الخاصة به والعابه ولا يسمح لاحد ان يلمس شيئا له.
كان يتصل بي ويطلب اكلة "المجدرة"، رغم انه كان بامكانه ان ياكل الأفضل، ولكن كان يقول لي انها الافضل لديه، وبخاصة انها من صنعي، لا زال صوته في مسمعي وهو يقول لي انا قادم لاحضرها له، وها انا اليوم لا استطيع حتى تخيل ان افتح باب غرفته ولا اجده فيها، لدرجة انني لا استطيع فعل ذلك ابدا .
" ام منصور" الصامدة الشامخة في كل وقفة لأهالي الاسرى، تجدها برفقة صورة حمزة ولا تفارق يدها، تهتف للاسرى، ولمعاناتهم المستمرة وكانها تقول، " يا ولدي، انا هنا، انا معك، ولن اتركك وحدك، دمع يجف قبل ان يخترق المقل، اذان لا تسمع الا صوتا واحدا، وخطوات واحدة، وامل واحد، وهو ان تجده بين ذراعيها، لتمتلىء روحها وقلبها من طفولة ذاك الشاب الذي كبر بين غياهب جدران قاسية، لا تعرف الرحمة والحب والحنان.
توقفت لبرهة وكانها تستذكر شيئا ما، يتابع اخاه الاصغر سنا "صهيب" البالغ "١٥ عاما"، ويقول ان حمزة، الاقرب الى قلبه، لقرب السنوات بينهما، و لكونهما جيل واحد .. انه ومع كل صباح يتوقع دخول اخيه البيت، ولا يفقد الأمل، وسيلعب معه كل العاب الكمبيوتر، وسيحضرها له لوقت خروجه، والذي لن يطول ابدا.
ورغم كل هذا الألم، تبقى الأم واقفة.
قلبها متعب، لكن حبها لا ينكسر، تؤمن أن الليل مهما طال لا بد أن يعقبه فجر، وأن دعاء الأم لا يضيع،
وأن الحرية ستأتي يوما…
وحينها فقط، ستتنفس روحها من جديد .



