آراء

نحو إحياء عملية السلام من موتها

15 مشاهدة
نحو إحياء عملية السلام من موتها

الكاتب : عصام بكر 
 
تستمر صحيفة القدس الفلسطينية في نشر القدس قبل عشرين عاما في عددها الصادر السبت 2 أيلول من العام 2006 على صدر صفحتها الأولى تطالعنا بعنوانها الرئيس " الاتحاد الأوروبي يسعى لإحياء عملية السلام على أساس العودة لحدود 67 وإنهاء الاحتلال" . الى هنا العنوان فيما متن الخبر الذي يتحدث عن اجتماع عقد في فنلندا في حينه ضم 25 دولة أوروبية أعقبته تصريحات حول استئناف عملية السلام المتعثرة وضرورة بذل الجهود لدعم حكومة "وحدة فلسطينية" حتى لو شاركت فيها حركة حماس التي فازت حينها في الانتخابات التشريعية التي جرت ب 74 مقعدا مما يعطيها الغالبية في المجلس التشريعي المنتخب أي أن الوضع يكاد يكون على حاله منذ تلك الفترة أو يمتد لما هو قبلها من حيث الجمود في عملية السلام والا لماذا يتم الحديث عن (إحياء) عملية السلام؟ 
إسرائيل قبل أن تسوق الذرائع حول فوز حماس كانت حينها قد أنهت من طرف واحد عملية السلام وأسدلت الستار عليها وأوقفت الاتصالات بشكل كامل مع السلطة والقيادة الفلسطينية بل أعلنت عزمها إغلاق الباب أمام أية مساعي دولية للوصول للتسوية عبر طاولة المفاوضات المتوقفة أصلا ليس رفضا للحوار مع حماس التي فازت وإنما رفضا قبل الفوز لكثير من الأسس التفاوضية القائمة على مبدأ الشرعية الدولية والإصرار على صيغة الثنائية وفق ما "يتفق عليه الطرفان" . فرفض تطبيق القرارات الدولية هو ما اصطدمت به المفاوضات وليس نتائج الانتخابات التي جرت أي رفض الوصول الى حل عادل وشامل ينهي الصراع حتى على قاعدة مبادرة السلام العربية رغم الملاحظات حولها تم رفضها فحكومات إسرائيل جميعها رفضت فكرة مناقشة أو التفاوض للوصول لحق تقرير المصير والاستقلال الفلسطيني وفي قاموسها هذه محرمات لا يمكن وضعها على الطاولة مهما كان من يقف على راس الحكومة فيها أي أن مبرر رفض التعاطي مع حكومة ترأسها حماس في حينه كانت على وشك التشكل والإعلان عنها مع انها جاءت عبر صندوق الاقتراع ليس واردا في الحسابات الإسرائيلية مهما كانت الفصائل التي تشكلها فالأهم هو برنامج هذه الحكومة أن لا يعتمد رؤية سياسية تتمسك بالحقوق الوطنية المشروعة في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة للشعب الفلسطيني على ترابه الوطني. 
اليوم يعيد التاريخ إنتاج معطيات مشابهة رغم الاختلالات والمتغيرات الكبيرة التي لا داعي لاستحضارها لكن تجري التحضيرات كما هو معروف لإجراء الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها أواخر تشرين ثاني نوفمبر المقبل وسط تحديات مركبة تفوق بكثير تلك التي عاشتها القضية الفلسطينية العام 2006 والصعوبات تشتد وطأتها أمام احدى اكثر المراحل خطورة على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها هذه المرة إن تمت ستكون بعد حرب الإبادة التي وقعت وتتواصل أثارها الى يومنا هذا في قطاع غزة وتأثيرات ما أسفرت عنه على النظام السياسي بكل مكوناته في ظل الأوضاع الكارثية على كل المستويات إضافة لما يجري في الضفة الغربية بما فيها القدس من تنفيذ عملي لمخطط الضم بحيث أصبحت الصعوبة . وبالعودة لموضوع الانتخابات لا تقتصر فقط على القدس وحدها وإنما أمام الوضع الحالي الخطير هناك شك في أن تجرى في مناطق "ج" والأرياف إضافة الى قطاع غزة بطبيعة الحال فمن يمكنه الضغط على الاحتلال لضمان تمكين الشعب الفلسطيني من أجراء انتخابات حرة ونزيهة وفق القانون تتيح مشاركة الجميع فيها انتخابا وترشيحا! وإذا ما جرت من المسؤول عن الضغط للقبول بنتائج هذه الانتخابات واحترام ما تسفر عنه؟ خصوصا أنها قد تطال مكونات في النظام السياسي الفلسطيني أيضا . لذا لا بد من الإشارة هنا الى أن انتخابات كنيست الاحتلال ستجري أيضا في تشرين الاول القادم وما قد تسفر عنه بمعزل عن الجهة التي تفوز! فهل تملك أي جهة وسيلة لتغيير الأمر الواقع الذي تفرضه دولة الاحتلال يوميا في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ بعيدا عما يرشح من بعض التسريبات الخجولة حول إمكانية الأفراج عن أموال المقاصة التي تقدر ب 17 مليار شيكل تستمر دولة الاحتلال في سرقتها والقرصنة عليها.
العنوان المستفز ربما في صحيفة القدس قبل عشرين عاما يعيد للأذهان لماذا توقفت عملية السلام التي ماتت فعلا بعد مفاوضات كامب ديفيد 2 والتمترس خلف رفض الحقوق الفلسطينية .. لاءات باراك الشهيرة حينها لا قدس ولا دولة ولا إخلاء مستوطنات وطبعا لا حق عودة والسؤال هنا مع من يمكن تدار علمية سلام؟ والى أين يمكن أن تصل في ظل المتغيرات الهائلة التي شهدها العالم والإقليم منذ ذلك الوقت! وفق فرضية بسيطة مفادها إذا كانت حكومة الاحتلال قبل العام 2006 قد نفضت يدها من عملية السلام وأنهت مسارها الذي قد يؤدي الى وصول الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية فهل الفرصة سانحة اليوم أكثر للمضي في تسوية توصل الشعب لحقوقه! في ظل مصادرة الأراضي وهدم البيوت وتقطيع أوصال الأرض يوميا وفرض خطة الحسم وإرهاب المستوطنين اليومي ولم تكن في ذلك الوقت إلا مجرد بدايات الحديث عن الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة والقطاع ولم تكن خطة الحسم التي أعقبت صفقة القرن قد وضعت على الطاولة رسميا رغم وجود مقدماتها كما أشير سابقا وبالتالي إذا تلاشت الفرصة دوليا لالتقاط اللحظة التاريخية في حينه للعمل بإرادة دولية من اجل إنهاء الاحتلال قبل كل هذه الصعوبات والمعيقات التي نشهدها الآن فهل متاح أمام أي جهة دولية تحقيق الهدف المنشود اليوم؟
التوجه الجاري في اللعبة الحالية الأخذة بالتشكل وعلى مدار سنوات خلت في ظل صراعات ونزاعات دولية في اكثر من منطقة من العالم بما فيها اقتصادية وعسكرية يشير هذا التوجه بوضوح الى أن ثمة إمكانية واحدة للعمل حيث لا يراد أن يفهم من النص السابق أن التسليم بالامر الواقع هو سيد الموقف. على العكس تماما المقصود هو أن ثمة إمكانية واحدة وهي أن يجري تحرك عالمي واسع تقوده الأمم المتحدة ومؤسساتها ذات العلاقة لرفع الظلم المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي لأراضي دولة فلسطين وان تقوم بخطوات ملموسة بعيدا عن حسن النية أو المناشدات ولغة البيانات المعتادة منذ عقود وإنما إجراءات عملية مباشر وحقيقية لإنفاذ القانون الدولي بفرض عقوبات دولية صارمة تلعب فيها أوروبا التي تقول دوما إنها الممول الأول للسلطة الفلسطينية بالعمل على قاعدة توازنات جديدة تعيد فيها حساباتها على أساس معياره القيمي انحياز للاحتلال أم لحقوق الشعوب؟ اذا كانت فعلا تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان فالموقف المزدوج الذي يسير وفق التوجه الأميركي من جهة وعدم القدرة على مخالفته وتجاوزه  أوروبيا من جهة وفي ذات الوقت استمرار تقديم الدعم المالي والحديث السياسي بجمل إيجابية من جهة أخرى غير كاف في الحقيقة وكأن النظرية التي تقودها هي (ترقيع) وتغطية الوضع الراهن بغلاف سياسي منمق ومحاولة بناء ما يهدمه الاحتلال من قصف وتدمير المنشآت والبنى التحتية وتقديم الدعم السخي للعمل الأهلي هنا وهناك واعتبار ذلك يحقق الموقف الأوروبي الكلاسيكي المتعارف عليه وفقا لموازين المصالح والربح والخسارة وهو ما عبر عنه احد المسؤولين الألمان الكبار حين قال "أن  الدفاع عن وجود إسرائيل لن يتأثر باي شكل من الأشكال" بينما من يواجه الخطر الوجودي في أرضه ووطنه اليوم هو الشعب الفلسطيني ومن يتحدث عن استئصال عوامل بناء دولة فلسطينية مستقلة هم قادة حكومة الاحتلال . 
اليوم الحقيقة قبل التذرع بنتائج الانتخابات الفلسطينية هي هل هناك شريك في إسرائيل للسلام؟ وهل السلام يتفق مع تعميق الاحتلال وتكريسه وإطالة أمده؟ ربما من الاستخلاصات يمكن القول إن السلام ممكن ونحن نؤمن به فعلا وهو قابل للتحقيق لان الشعب الفلسطيني عبر عن امله للوصول الى السلام لكن للسلام في نظره طريق أخر ليس السلام الذي تفرضه القوة العسكرية ويحد من وصول الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة .. طريق السلام المنشود اغرق تماما في بحر الدماء في غزة والضفة والقدس . اذا من يريد السلام في هذا العالم يجب أن ينطلق من العدالة الانتقالية طريق سهل وبسيط لو امتلك العالم الجرأة والإرادة السياسية لإنفاذ القانون الدولي ومحاسبة المعتدي، ورفع الظلم وجبر الضرر عن الضحايا مترافقا مع حماية دولية وخطوات جدية لإعادة التوازن للنظام العالمي وقطبه الواحد الذي يحمي القاتل ويلوم الضحية عبر موازين تعيد الحس الإنساني للقانون الدولي ومغادرة الكيل بمكيالين بوابة ذلك كله تطبيق الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة . عندها يمكن لأوروبا أن تسمع صوتها أيضا للوصول الى عملية سلام جدية تتسم بالعمل وصون حقوق الشعوب المقهورة .

خافيير سولانا مفوض العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي حينها قالها إن الأساس هو العودة الى حدود 1967 وبهذا يمكن تحقيق السلام الذي طال انتظاره وأوروبا يمكنها لعب دور اكثر جدية واكثر فاعلية .

*عضو المجلس الوطني الفلسطيني