اقتصاد

 دور فلسطيني الشتات من الدعم المادي الى شراكة وطنية حقيقية

17 مشاهدة
 دور فلسطيني الشتات من الدعم المادي الى شراكة وطنية حقيقية

الكاتبة : رولا شنار
 

عادة لا تقاس قدرة المجتمعات على الاستمرار بغياب التحديات والأزمات، وإنما بمقدراتها ومقوماتها في مواجهة التحديات وتحويلها الى دافع للتطور والتغير. في الحالة الفلسطينية، فإن لهذه الفكرة بعدا أعمق، حيث استطاعت خلال سنوات طوال أن تحافظ على ما تمتلكه من مقومات اقتصادية وبشرية مهمة، وتوظيفها لمصلحتها حتى في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، فهي تمتلك رأس مال بشري شاب ومتعلم، وكذلك قطاعات اقتصادية واجتماعية واعدة، في الخدمات والتكنولوجيا والتعليم. 

بنظرة أكثر شمولية، خاصة في الفترة الأخيرة، يتضح ان الحالة الفلسطينية قد وصلت الى مرحلة تستدعي القلق، حيث أصبحت الحاجة ماسة لإعادة بناء للمقدرات، التي تعتبر مهدورة تقريباً لعدم استثمارها بالكم والكفاءة المطلوبة، لدعم اقتصاد وطني قادر على النهضة.  وهنا يبرز الشتات الفلسطيني كأحد أهم الموارد الاستراتيجية غير المستغلة بالقدر الكافي.

فوفقاً للتقديرات السكانية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الفلسطينيين منتصف العام 2025 نحو 15.2 مليون نسمة، يعيش نصفهم تقريباً خارج فلسطين بنحو 7.8 مليون فلسطيني منهم 6.5 مليون في الدول العربية.

وتشير التقديرات المتداولة لثروتهم الجماعية الى أنه تبلغ مئات مليارات الدولارات، وقد تفوق ترليون دولار وفقاً لمنشورات صادرة عن بنك فلسطين. وكما لعب الشتات اليهودي دوراً محورياً في بناء القدرات الاقتصادية والعلمية لإسرائيل، حيث بلغ مجموع استثمارات الشتات اليهودي في إسرائيل خلال آخر عامين فقط حوالي 34 مليار دولار، فإن الشتات الفلسطيني مدعو اليوم إلى الانتقال من دور المساند العاطفي والمساهم الإغاثي، إلى دور الشريك المؤسسي في بناء اقتصاد وطني أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود، وقد بلغ استثمارهم المباشر في فلسطين ما يقارب 3.8 مليار، وفق احصائيات الربع الأول من العام 2026، الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

بالطبع فإن تدني الاستثمار المباشر في فلسطين، لا يعني بالمطلق التقليل من أهمية الدور الاقتصادي والسياسي والإعلامي الذي يقوم به فلسطينيو الخارج، فقد ساهمت جالياتهم ومؤسساتهم على مدى عقود في إبقاء قضيتنا الفلسطينية حيةً عالمياً، من خلال الضغط على البرلمانات والحكومات، ومواجهة الروايات المنحازة، وتنظيم الفعاليات السلمية، ودعم خيري غير منظم في المجمل. وما من شك بأن هذه الأدوار ضرورية ويجب تعزيزها، لكن الوزن الاقتصادي للشتات يظل الأقدر على إحداث فرق ملموس في حياة الفلسطينيين داخل الوطن، إذا ما أُحسن تنظيمه وتوجيهه.

المشكلة الجوهرية اليوم أن معظم مساهمات الشتات ما زالت تدور في فلك الإحسان الفردي أو الدعم الإغاثي قصير الأمد، وعلى الرغم من أن التحويلات المالية مهمة وهي تشكل شبكة أمان اجتماعية للكثير من الأسر داخل فلسطين وتعزز صمودهم، لكنها في معظمها استهلاكية بطبيعتها، ولا تبني قاعدة إنتاجية مستدامة. إن ما نحتاجه اليوم ليس التوسع في شبكة المساعدات كما تجري الأعراف عادة في ظل كل أزمة، نحن نحتاج إلى التحول نحو استثمارات إنتاجية وازنة وشراكات طويلة الأمد تخلق قيمة اقتصادية حقيقية وتوفر فرص عمل وتنمية مستدامة، وتقلل الاعتماد التدريجي على اقتصاد الاحتلال، من هنا تكمن أهمية التحول في العلاقة الاجتماعية والإغاثية نحو الجهد الممأسس، عبر مسارات متكاملة كما أفصل أدناه.

أولاً: المساهمة القصوى استثمارياً في برنامج تعافي وإعمار غزة، حيث إن ترك هذا الملف للجهات الدولية أو الإقليمية وحدها ينطوي على مخاطر عدة، أهمها إعادة الحياة لغزة وفق أجندات لا تعكس أولويات أهلها ولا هويتها، من هنا تأتي أهمية أن يكون للشتات دور ريادي في تمويل وتنفيذ مشاريع الإعمار، عبر صناديق شفافة وآليات رقابية واضحة، بما يضمن أن يبقى القرار الوطني في أيدي الفلسطينيين أنفسهم.

ثانياً: الاستثمار المباشر في مشاريع إنتاجية داخل فلسطين، حيث يمتلك الكثير من رجال الأعمال الفلسطينيين في الخارج رؤوس أموال، وخبرات طويلة الأمد إدارية وتقنية متقدمة، والمطلوب حالياً توجيه جزء من هذه الموارد نحو الصناعات المحلية الناجحة، ومشاريع الطاقة المتجددة، والشركات الناشئة في التكنولوجيا والخدمات الرقمية، وغيرها من الاستثمارات الهامة، عوضاً عن الاكتفاء بالتحويلات أو التبرعات، فالشراكة هنا تعني الدخول كمساهمين حقيقيين ومستثمرين فعليين يجنون العوائد، لا كمتبرعين موسميين.

ثالثاً: المشاركة في سوق رأس المال الفلسطيني، وعبر بوابته الرئيسية بورصة فلسطين، حيث يمكن للشتات أن يضخ سيولة جديدة من خلال شراء أسهم في الشركات المدرجة، أو من خلال المساهمة في تأسيس صناديق استثمار مشتركة أو صناديق ادخار تضم أسهم فلسطينية، أو دعم البلديات من خلال سندات الدين أو الاستثمار الاستراتيجي في الشركات العائلية الراغبة في التحول إلى مساهمة عامة، فهذا النوع من الاستثمار يزيد من عمق السوق المالي، ويربط المستثمر الفلسطيني في الخارج بمستقبل الاقتصاد الوطني بشكل مباشر.

رابعاً: نقل المعرفة والخبرات، حيث يمتلك الشتات كفاءات عالية في الطب والهندسة، والإدارة والتكنولوجيا والتعليم، يمكن تحويل هذا الرصيد إلى برامج زمالة وتدريب واستشارات عن بُعد، وربط المؤسسات الفلسطينية بشبكات الجودة والأسواق العالمية، هذا النوع من المساهمة يبني رأس المال البشري ويخلق أثراً تراكمياً يفوق في أهميته في كثير من الأحيان المساهمات المالية المباشرة.

خامساً: بناء شبكات تجارة وتصدير حيث بإمكان الجاليات الفلسطينية خاصة في أوروبا والأمريكيتين ودول الخليج أن تشكل جسوراً لتسويق المنتجات الفلسطينية، من خلال اتحادات مصدّرين، ومراكز توزيع، ودعم عبر شراكات تهدف للحصول على شهادات الجودة العالمية لتعزيز الثقة بالمنتج الوطني، وبهذا يتحول الشتات من مستهلك إلى فاعل في تعزيز القدرة التنافسية للمنتج الفلسطيني وداعم حقيقي.

سادساً: تحويل جزء من التحويلات المالية إلى أدوات استثمارية بدلاً من أن تُنفق بالكامل على الاستهلاك، حيث يمكن تصميم أدوات مثل سندات تنموية أو صناديق ادخار أو قروض إنتاجية صغيرة ومتوسطة، تُدار بشفافية وتخضع لرقابة مهنية، وإن وجود سوق مالي فلسطيني، رغم محدوديته، يوفر إطاراً يمكن البناء عليه لتطوير مثل هذه الأدوات.

وهنا يمكن الحديث حول الدور الذي يمكن ان تلعبه بورصة فلسطين في رسملة مساهمات فلسطينيي الشتات بعوائد مجزية:

فمن أهم القنوات التي يمكن أن تربط مدخرات الشتات بالاقتصاد الوطني هي سوق رأس المال الفلسطيني، وعبر بوابته الرئيسية بورصة فلسطين، من حيث المشاركة في تعزيز اقتصاد فلسطيني مقاوم لا يقتصر بالضرورة على إنشاء مشروع جديد على الأخص.

إذ تلعب بورصة فلسطين من خلال مكونات قطاع سوق رأس المال وما تتيحه من أدوات عبر الشركات المدرجة فيها دوراً محورياً في تمكين المستثمرين، من خلال اتاحة المساهمة في هذه الشركات بمختلف القطاعات، وهي شركات ذات تاريخ حافل بالأداء الذي يعتد به، ومستقبل واعد، سواء من حيث العوائد المحققة والأرباح الموزعة التي يعاد ضخ جزء كبير منها للاستثمار في السوق مرة أخرى، حيث شكلت الشركات المدرجة ثلث الناتج المحلي الإجمالي وساعدت في خلق فرص توظيف لألاف من الفلسطينيين بشكل مباشر وغير مباشر.

وتكتسب هذه القناة أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني، فالأداء الإيجابي للشركات المدرجة في البورصة خلال الأعوام المنصرمة، وآخرها عام 2025 لا يعكس ارتفاع أسعار الأسهم فحسب، بل يحمل رسالة أعمق تتعلق بقدرة الشركات الفلسطينية المدرجة على التكيف والصمود والاستمرار في النشاط وتحقيق النتائج المالية.  ورغم البيئة الاقتصادية والسياسية شديدة الصعوبة، فقد ارتفع مؤشر القدس بنسبة 24% خلال عام 2025 فيما ارتفع مؤشر القدس الإسلامي بنسب 20% لنفس الفترة.

والأكثر دلالة على ما تقدم هو تطور مؤشر العائد الكلي، لأنها تنظر إلى الاستثمار من زاوية أكثر شمولاً، ولا تكتفي بقياس ارتفاع أسعار الأسهم، بل تأخذ في الاعتبار أيضاً توزيعات الأرباح وإعادة استثمارها، وقد تم في عام 2026 إطلاق مؤشر العائد الكلي على الاستثمار في بورصة فلسطين، ليضيف أداة أكثر تطوراً لقراءة أداء السوق، ويتيح للمستثمر النظر إلى العائد من منظور أقرب إلى تجربته الاستثمارية الفعلية بدلا من التركيز على حركة سعر السهم فقط.  علما بأن نسبة العائد الكلي بلغت ما بين 6 الى 9% سنوياً خلال السنوات العشر الماضية بما فيها سنوات الحرب، مما يدلل على قدرة الاستثمار في الحفاظ على قيمته وتنميتها وتحقيق دخل معقول بمرور الوقت مقارنة بالأسواق الأخرى، وهي إشارة مهمة إلى أن جزءاً من القيمة التي يحققها الاستثمار في الشركات الفلسطينية لا تأتي فقط من ارتفاع أسعار الأسهم، وإنما أيضاً من الأرباح التي توزعها الشركات على مساهميها.

إن أهمية هذه المؤشرات لا تكمن في كونها دليلاً على غياب المخاطر، وإنما في أنها تقدم مؤشراً على مرونة السوق وقدرة الشركات الفلسطينية على الاستمرار وتحقيق العوائد في واحدة من أصعب البيئات الاقتصادية في شتى أصقاع الأرض.

إن قصص نجاح رجال الأعمال الفلسطينيين خارج الوطن في تأسيس وإدارة شركات ومجموعات أعمال ناجحة، تشكل فرصة مواتية لدعوتهم بأن تكون بورصة فلسطين امتداداً جديداً لنجاحهم، إن إدراج شركات ناجحة أسسها أو يديرها فلسطينيون في الخارج في بورصة فلسطين لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد وسيلة للحصول على التمويل، وإنما باعتباره إعلاناً عن امتداد الشركة إلى موطنها الأصلي، وتجسيداً لنجاح رأس المال والخبرة الفلسطينية أينما وجدت.

كما يمكن أن يفتح أمامها آفاقاً جديدة للتوسع، ويمنحها حضوراً مؤسسياً في السوق الفلسطينية، ويعزز علامتها وهويتها الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يتيح لآلاف الفلسطينيين في الوطن والشتات فرصة أن يصبحوا مساهمين في شركات ناجحة أسسها أبناء شعبهم، وأن يشاركوا في نموها وعوائدها من خلال قناة استثمارية منظمة وشفافة.

ولذلك، فإن الدعوة ليست فقط إلى إعادة الأموال إلى فلسطين، وإنما إلى إعادة جزء من النجاح نفسه، فالشركة الفلسطينية الناجحة في الخارج تستطيع أن تجعل من إدراجها في بورصة فلسطين جسراً بين الأسواق التي تعمل فيها والأسواق التي تنتمي إليها، وأن تحول نجاحها الخاص إلى فرصة استثمارية أوسع، يستفيد منها المستثمر الفلسطيني، وتستفيد منها البورصة، ويستفيد منها الاقتصاد الوطني، بحيث لا يكون الإدراج مجرد إجراء مالي، بل سيكون رسالة ثقة وانتماء وامتداد اقتصادي.

كل ما سبق يبقى الأثر محدوداً إذا ظل معتمداً على مبادرات فردية أو علاقات شخصية، ولا مناص في نهاية المطاف من التحول الحقيقي ومأسسة دور الشتات، كما أسلفت، ولا تعني المأسسة هنا خلق بيروقراطيات جديدة عاجزة، إنما بناء أطر شفافة ومرنة تسمح بتنظيم المساهمات وتحميها من العشوائية ومن مخاطر ضعف الحوكمة.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته عقداً "اجتماعياً- اقتصادياً – سياسياً" يجمع الفلسطينيين في الوطن والشتات، وهذا العقد ليس شعاراً إنما إطاراً عملياً يقوم على ثلاثة أركان: أولها الاعتراف بأن الشتات جزء أصيل من المعادلة الوطنية وليس مجرد داعم خارجي، وثانيها الالتزام المشترك بمعايير الشفافية والمساءلة وسيادة القانون كشرط لأي شراكة اقتصادية واسعة، وثالثها الاتفاق على أولويات واضحة، في مقدمتها تعافي وإعمار غزة، ودعم الصمود في القدس والمناطق المهددة، وبناء قدرات إنتاجية قابلة للاستمرار.

لا يخفى أن هناك تحديات حقيقية أمام هذا التوجه، كالقيود الإسرائيلية على التحويلات وحركة الأموال، وضعف البيئة القانونية والاستثمارية في بعض القطاعات، ومخاوف جزء من المستثمرين في الخارج من مخاطر عدم الاستقرار أو غياب الحماية الكافية لرؤوس الأموال، كلها عقبات لا يمكن تجاهلها، الا ان تجربة الاستثمار الأجنبي في السوق المالي اثبتت بأنه يمكن تجاوز كل هذه العقبات من خلال وجود هيئات رقابية تشرف على القطاع المالي وسوق رأس المال.  كما أن تباينات المواقف السياسية داخل الشتات نفسه قد تعيق في بعض الأحيان توحيد الجهود، ولكن هذه التحديات على صعوبتها لا تلغي الإمكانية، وإنما تجعل التنظيم المؤسسي والشفافية شرطين لازمين لأي تقدم حقيقي.

كذلك يُحبذ تخصيص جزء منظم من موارد الشتات لصندوق فلسطيني مستقل تماما، يكرس لإعمار غزة والتنمية الإنتاجية، بحيث تكون أرباح الاستثمارات شبه رمزية، وإطلاق منصات رقمية للتواصل الاستثماري وتبادل الفرص والمعرفة بين الداخل والخارج، على أن يتم ربط أي مساهمة اقتصادية واسعة بالتزام واضح من المؤسسات الرسمية بتعزيز الشفافية وحماية حقوق المستثمرين.

أدرك أن القيود التي يفرضها الاحتلال تجعل التنمية أمراً بالغ الصعوبة، لكنها لا تجعلها مستحيلة مع توفر الإصرار والإرادة، وإن ما يمتلكه الشتات من ثروة مالية وخبرة مهنية ورصيداً سياسياً وثقافياً، يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للصمود والبناء، إذا بني على أساس الشراكة وليس الإحسان.

المطلوب اليوم ليس المزيد من المبادرات العاطفية، بل بناء أدوات مؤسسية شفافة تسمح للشتات بأن يكون شريكاً أصيلاً في القرار الاقتصادي والتنموي والسياسي، وبرأيي أنه فقط عندما يرى الفلسطينيون في الخارج أنفسهم جزءاً من عقد وطني جامع، لا مجرد ممولين موسميين، يمكن للثروة والخبرة والانتماء أن تتحول إلى قوة مستدامة تخدم السيادة العملية للشعب الفلسطيني على قراره ومستقبله.

*رئيسة مجلس إدارة بورصة فلسطين