غزة-ايمان هريدي-خاص ب"واثق نيوز"-في زمنٍ تتحوّل فيه الحياة إلى قائمةٍ طويلة من الفقد، وحيث تُعاد صياغة معاني الكرامة بلسان الجوع، تبرز قصة سلسبيل جبر عوض بوصفها شهادةً حيةً على المأساة الفلسطينية المتواصلة. سلسبيل، سيدة أعمال سابقة، وأمٌّ لطفلين، تتحدث من قلب العراء، من خيمة في غزة، حيث صار الحلم بحفّاظة لطفلٍ، أو بكوب حليب، من ترف الأمنيات التي لا تُدرك.
هل يستطيع المرء أن يتعرّف إلى ملامحه من جديد، حين تعيد الحرب رسمها بالرماد؟
هل يمكن أن يبقى للإنسان اسم، حين يُسرق منه البيت والمهد، وتتحوّل الذكرى إلى قذيفة؟؟؟؟
في غزة، حيث تُطوى الحياة يومًا بعد يوم تحت جنازير القصف، تحدثت إلينا – عبر تواصل رقمي – سلسبيل جبر عوض، سيدة أعمال سابقة، وأم لطفلين، تُقيم حاليًا في خيمة، وتحمل في صوتها وجع مدينة بأكملها.
"كنتُ أملك شركة، واليوم كل ما أتمناه هو رغيف خبز، وحفّاظة لأطفالي."
بين سبع شقيقات… وكفن الفقد الأبيض
تقول سلسبيل:
نشأت في بيتٍ دافئ، محاطٍ بالحب، بين سبع شقيقات، إذ لم يُكتب لوالدي أن يُرزق بولد، فقد توفوا جميعًا قبل أن يروا النور.
ولدتُ في بيئةٍ يُعتبر فيها العلم سلاحًا، والهوية قضيةً نحملها في القلب قبل الوثائق.
جميعنا، نحن الأخوات، نحمل شهادات عُليا. أما أنا، فدرست اللغة الإنجليزية والتسويق، وأسّست بعد تخرّجي شركة ناجحة في مجال التداولات الرقمية والعملات المشفّرة.
كنتُ سيدة أعمال بمعنى الكلمة.
ثم رزقني الله بزوجٍ محب ومخلص، وأنجبت طفلي الأول… وكانت تلك أجمل أيام عمري.
لكن… في 7 أكتوبر، توقّف كل شيء.
كنت أُخطّط للاحتفال بذكرى زواجي في العاشر من أكتوبر.
لكن بدلًا من الزهور، استقبلنا الصواريخ. بدلًا من الحلوى، بلعنا رماد المنازل. بدلًا من العناق، احتضنا أطفالنا من الخوف.
كان عمر طفلي 50 يومًا فقط… حين بدأنا رحلة النزوح من شمال غزة إلى جنوبها.
رحلة طويلة، قاسية، لم تكن بحثًا عن حياةٍ جديدة، بل عن مجرد "ملاذ آمن"، عن ركنٍ لا يسقط فوق رؤوسنا.
عن مكان أقول فيه لطفلي: نم بأمان، ولو لليلة.
ماذا فعلت بِنَا الحرب؟
تصف سلسبيل الحرب بأنها آلة نزع للهوية، واغتيال صامت للكرامة.
دمّرتنا.
قتلت فينا الحياة، وشرّدت ملامحنا، وجعلتنا أحياءً بلا نبض.
لم أكن أتخيّل أن تنهار حياتي في لحظة، أن يُسحب السقف من فوق رأسي، وتُنتزع الكرامة من قلبي.
كنت امرأة فاعلة، منتجة، مؤمنة بدوري في المجتمع.
واليوم… لا بيت، لا أهل، لا مال، ولا حتى ظلّ لذاتي السابقة.
الحرب نزعت عني كل شيء.
فقدتُ ٣١ فردًا من عائلتي دفعةً واحدة، في مجزرة بمخيم النصيرات.
أصبحت عاجزة حتى عن زيارة أخواتي، وهنّ لا يبعدن إلا كيلومترات قليلة.
القصف يملأ السماء، والطرقات يسيطر عليها قطاع الطرق، والخوف بات حارسًا لكل خطوة.
سمعت عن أطفال خُطفوا. نساء اقتيدوا شرقًا ولم يعودوا.
الطُرق صارت مسالخ، والمواصلات ترفًا مستحيلًا، وثمن رغيف الخبز بات خيالًا.
اما عن الأمومة في زمن المجاعة…
في خضم هذا الدمار، اكتشفت أنني حامل.
ارتجفت.
كيف أُنجب طفلًا في عالمٍ لا يوفر لي حتى الماء النظيف؟
فكرت بالإجهاض. ليس ضعفًا، بل رحمة.
حملي شديد الخطورة، وأحتاج شهريًا إلى إبرة "كليكسان".
لكن لا دواء، ولا طعام، ولا مستشفى آمن.
اضطررت لإجراء عملية قيصرية بلا تخدير كامل. رأيتُ الموت رأي العين.
وحين وضعت طفلتي، لم أستطع أن أفرح.
ماذا سأمنحها؟
كيف أُطعمها؟
الرضاعة فشلت، والمجاعة لا ترحم.
الحليب غير متوفّر، والبديل شحيح.
أمزج ملعقة صغيرة جدًا من الحليب في كوبين من الماء، كي أوفّر.
طفلاي بلا أسنان… الجوع أكل مراحلهم.
الأمراض تنهشهم، ولا دواء.
ولا حتى حفاظات.
أمزّق ملابسي وملابس زوجي لأصنع "حفاظة واحدة" تصمد لأطول وقت.
أما الفوط النسائية، فلا وجود لها… أستخدم قطع قماش من قمصاني القديمة.
عندما طلب ابنها بسكويت، ولم تملك شيئًا، صمتت…
"كل مرة يقول ‘ننن’، أعجز عن الرد. لا أملك شيئًا."
معاناة يومية… تتكرر بلا نهاية
يوميات لا تحتاج خيالًا صحفيًا
رغم أن "الروتين اليومي" يُفترض أن يكون عاديًا، إلا أنه في غزة يُصبح مقاومةً صامتة:
كيف يبدو يومي؟
سؤال بسيط… إجابته قد تُرهق الحجر.
أستيقظ عند السادسة صباحًا.
أطفالي لا يزالون نائمين، فأغتنم اللحظة لترتيب خيمتنا… أو ما تبقى منها.
أُزيح غبار الركام عن الزاوية التي نسكنها، جوار منزلٍ قُصف ولم يعد له ملامح.
إن حالفنا الحظ ووصلنا الماء، أبدأ بغسل بعض الأواني.
في غزة، جلب الماء "طقس حياة"…
أمشي أنا أو زوجي مسافات طويلة، سبع أو ثماني مرات يوميًا، كي نحصل على ما يكفينا ليومٍ واحد.
أما الفطور؟
فهو فتات خبز، نبلّله بماءٍ ساخن وبعض الحليب… للأطفال فقط.
أما أنا وزوجي، فنؤجّل وجبتنا إلى وقت الغداء… إن وُجد.
وجبة الغداء – في الحقيقة – تعتمد على تكايا الخير.
ننتظر، على أمل أن يعود زوجي بصحن طبيخ.
ثمن العدس تضاعف، وتحضير وجبة واحدة قد يكلف ما يعادل 80 دولارًا.
أحيانًا، لا نجد شيئًا… فنصوم قسرًا.
حليب الأطفال… أمنية مستحيلة
الحليب…
هذه الكلمة التي كانت بديهية يومًا ما، تحوّلت اليوم إلى لعنة.
أُطارد أثره في المستشفيات، في المؤسسات، في كل ما يُقال إن فيه شيئًا للأطفال.
وحين أجده – إن وجدته – أُذيب ملعقة صغيرة جدًا منه في كأسين من الماء.
طفلي ابن السنتين بلا أسنان…
ابنتي، الأصغر، لديها سنّ واحدة.
الإسهال لا يفارقهم، ولا دواء.
الكرامة المهدورة… في مستشفى بلا أبواب
قبل أيام، أصيبت طفلتي بنزلة معوية.
ركضت بها إلى ما تبقى من مستشفى الرنتيسي.
كان المكان أشبه بساحة حرب.
رأيت ابنتي تتلوى من الألم، وأنا عاجزة.
لا دواء، لا طبيب، لا جهاز.
كل ما استطعت فعله… تحميلة بدائية أعددتها من بقايا ما نملك.
أمنية لا تشبه الأحلام
هل تعرف ما أريده الآن؟
ليس أكثر من رغيف خبز، حفّاظة، وعلبة حليب.
أن أُطعم أطفالي، أن أُجفف دموعهم، أن أقول لهم كلمة "آمن" ولا أكون كاذبة.
أُمنيتي الكبرى أن أخرج من غزة، لا إلى رفاهية، بل إلى حياةٍ ممكنة.
أُريد فقط أن يعيش أطفالي.
أن أنجو بأبي وأمي.
أن أقول للأجيال القادمة:
"كُنّا شعبًا… لم يُمحَ تمامًا."
لكن إن استمر هذا الموت، فإننا نُباد… قطعة قطعة، صوتًا صوتًا، أمومة أمومة.
بين البقاء والرحيل... هاوية لا قرار لها
حين تسألني عن المخاوف، أجيبك:
كل شيء هنا مخيف، حتى الهواء.
إن بقيت، أخشى أن أموت جوعًا، أو أن ينهار السقف فوق طفليّ.
أخاف أن أكبرهما يُقتل أمامي، وأن أصغره يذبل ببطء… دون دواء، دون حليب، دون أن يفهم لماذا هذا العالم قاسٍ هكذا.
وإن رحلتُ؟
أخشى أن يُقصف الطريق، أو أن أضيع في أرضٍ لا تعرفني، لا تفهم لغتي ولا تعترف بدموعي.
لكنني – رغم ذلك – أتمسّك برغبة الخروج… لأنني ما عدت أحتمل دفن أولادي أحياء وهم على صدري.
كيف أشرح الموت بلغة الحليب والدمى؟
أُمسك يد طفليّ حين يسمعان القصف…
أقول لهما: "صوت طيارة، لكننا سنبقى معًا".
أكذب كي أبقي عيونهما مطمئنة، وأنا أعرف أن كل ما حولنا قد يسقط خلال ثوانٍ.
الجوع؟
أقول لابني: "الطعام في الطريق"...
ثم أضمّه حتى ينام.
الفقد؟
لم أشرح بعد كيف اختفت خالتهما في النصيرات، وكيف سقط ابن عمي شهيدًا...
لأنني لا أملك مفردات الفقد التي يمكن لطفل أن يفهمها دون أن ينكسر قلبه.
هل ما زال هناك أمل؟
نعم، ولكن ليس كما يعرفه الآخرون.
الأمل هنا بسيط…
هو أن أجد في الغد خبزًا لا يتعفّن، وماءً غير ملوث، وصباحًا بلا جنازات.
الأمل، أن أتمكن من رؤية أطفالي ينامون شبعى، لا يرتجفون من البرد أو الخوف.
أن أضع مولودتي في سريرٍ حقيقي، لا في صندوق كرتون.
رسالتي إلى العالم… إن بقي في العالم ضمير
نحن لا نطلب المعجزات.
فقط نريد الحياة، ولو بنسختها المتقشّفة.
رسالتي:
لا تجعلوا صرخاتنا تمرّ على شاشاتكم كما تمرّ الإعلانات.
سلسبيل ليست رقماً، ليست "حالة إنسانية"...
بل أم، ابنة، أخت، وامرأة، خُلقت كما خُلق أطفالكم، وتحلم لهم بما تحلمون.
قولوا إنكم رأيتم.
لا تكونوا شهود زور على نهاية شعب يُباد، لأن العالم التزم الصمت.
نداء لا يُقرأ فقط… بل يُسمع
هذه ليست قصة.
بل شهادة امرأة، تموت كل يوم، وتولد من جديد فقط كي تطعم طفلها.
اسمها: سلسبيل جبر عوض.
المكان: غزة.
الزمن: حرب بلا نهاية.
الصوت: صرخة لا تجد آذانًا.
فهل من يسمع؟
هل من يُنقذ ما تبقى؟
هل من يردّ للنساء في غزة شيئًا من كرامتهن، من أرحامهن، من أمومتهن التي تنزف على أبواب التكايا والرماد؟
بين النزوح والنجاة، بين الجوع والغضب، بين الموت المؤجل والأمومة المنهكة، تكتب سلسبيل جبر عوض من غزة سطرًا جديدًا في تاريخ الكارثة الفلسطينية.
ليس فقط بوصفها ناجية، بل باعتبارها شاهدًا على عصرٍ يُعاد فيه تعريف الإنسانية، وتُختبر فيه ضمائر العالم.
في غزة، الأمومة ليست غريزة… بل مقاومة.
والنجاة ليست حقًا… بل معركة تُخاض كل يوم من خيمة، وبملعقة حليب.



