الكاتب : د . هاشم نعمة
حين نُفكر في الأيديولوجيا، فإننا نلج منطقة مشحونة بالتأويلات، تتقاطع فيها الفلسفة بالتاريخ، والسياسة بعلم الاجتماع، والعقل بالسلطة. كان ديستوت دو تراسي أول من أطلق هذا المفهوم عام 1797، لا كمصطلح ملغّز بل كمحاولة لتأسيس "علم للأفكار" يدرس كيف نفكر ونتكلم ونحاجج، إذ اشتق اسمه من "eidos" التي تعني الفكرة، و"logos" أي الخطاب أو السبب. بدا حينها أن دو تراسي أراد فتح نافذة على العقل الإنساني دون أن يتوقع أن هذه النافذة ستفتح أبواب الريح السياسية .
لقد أدرك هو ومن حوله أن طرح هذا المفهوم في زمن محتدم كهذا ليس أمرًا هيّنًا. فلم تكن الظروف السياسية تسمح بتجريد الفكر من مصالحه، ولم يكن في مقدور "العقل" أن يُمارس حياده دون أن يُتهم. وعليه، كانت الأيديولوجيا منذ ولادتها، فكرةً مأزومة بالزمن .
مرت القرون، وتعددت التعريفات، حتى صار الحديث عنها في أوساط العلوم الاجتماعية يثير شيئًا من الالتباس والارتباك. آلاف النصوص والمقاربات المتضاربة، كأن كل باحث يعيد خلق المعنى من جديد. لم تسلم الأيديولوجيا من التشظي، بل ربما كانت موضوعًا تجريبيًا مفتوحًا، كل من اقترب منه عاد برؤيا .
ماركس، الذي بقي مرجعًا لا مفرّ منه، رآها "وعيًا زائفًا"، مرآةً مقلوبة تعكس مصالح الطبقة الحاكمة لا حقيقة الواقع. الأيديولوجيا في عينيه كانت خداعًا معرفيًا، يُعاد إنتاجه ليخدم سلطة، لا معرفة. أما إنغلز، فقد عزز هذا الفهم حين اعتبرها نسقًا من المعتقدات الزائفة، تُثبتها السلطة لتضفي الشرعية على ما هو مختل أصلًا .
غير أن المعضلة لم تتوقف عند ماركس. فالمفارقة أن الماركسية نفسها، حين جُمّدت في قوالب حزبية، تحولت إلى ما يشبه الأيديولوجيا التي حاربها ماركس. باتت نصوصها طقوسًا، لا مشاريع نقدية. صارت تقليدًا أكثر من كونها فكرًا نقديًا. وفي هذا تجلٍ لفخ الأيديولوجيا حين تفقد ذاتها كحركة وتنقلب إلى عقيدة .
ومن بين هذا الحطام النظري، خرج علماء الاجتماع ليضعوا الأيديولوجيا تحت المجهر. حاولوا ألا يغرقوا في وحل المعاني المتعددة. بيير أنسار، في سبعينيات القرن العشرين، دعا إلى تأسيس "علم اجتماع الأيديولوجيات"، وكأنما أراد إنقاذ المفهوم من كثافة رماده. كان يدرك أن الأيديولوجيا ليست دومًا صريحة، بل تختبئ في الخطاب، تتنكر في اللغة، تسكن تفاصيل البديهي .
وعلى مدار القرن العشرين، اتسعت المساحة التي شغلتها الأيديولوجيا، فلم تعد حكرًا على الفكر السياسي، بل تسربت إلى الثقافة، إلى العلم، إلى الإعلام. وظلت تتقلب بين من يراها جوهرًا لكل نظام فكري، ومن يعدّها قيدًا على العقل .
الليبرالية، مثلًا، اتهمت غيرها بالأدلجة، زاعمة أنها فكر مفتوح ومنهج عقلاني. غير أن فوكوياما فضح هذا الادعاء حين بشر بـ"نهاية التاريخ"، ورأى في الليبرالية ذروة التطور البشري. بهذا التصور، أعلن الليبرالية كأيديولوجيا نهائية، لا كمنهج، بل كخاتمة. وهنا تتبدى الأيديولوجيا في أكثر صورها سطوعًا: حين تدّعي أنها ليست أيديولوجيا .
إن العلاقة بين الدولة والأيديولوجيا لا يمكن فصلها. فكل مفهوم للسلطة أو النظام السياسي يحمل دلالة أيديولوجية، سواء أعلن ذلك أم لم يعلنه. فالأيديولوجيا ليست فقط ما يُقال، بل كيف يُقال، ولمن، ولماذا .
وبين هذا التماهي والاختلاف، تظل الأيديولوجيا مرآةً لا تعكس العالم، بل تعيد تشكيله وفقًا لزاوية النظر. هي ليست مجرد أفكار، بل طريقة لترتيب الكون داخل رؤوسنا، ولتبرير كيف يجب أن يكون لا كيف هو .
في النهاية، لا خلاص من الأيديولوجيا. لكن يمكننا على الأقل أن نكشف أقنعتها، أن نحاورها، أن نرى كيف تتكلم بأصوات لا ننتبه إليها. الأيديولوجيا، في جوهرها، خطاب يسكننا كما نسكنه. لا تُقال فقط، بل تُعاش. إنها العقل حين يصير سياسة، والسياسة حين تتنكر في هيئة معرفة .



