نابلس ـ واثق نيوز ـ تقرير : سهير سلامة- لا تكاد تسلم قرية او بلدة، سواءا في شمال الضفة او جنوبها، من احتكاك يومي، يتسبب به مستوطنو البؤر الاستيطانية، الموغلة في اراضي المواطنين والجاثمة على صدورهم، والتي تأكل الأرض، والعشب معا، فلا مكان للرعاة الاصليين الذين اعتادوا على الرعي في الجبال والسهول والأودية، رفقة مواشيهم، ومصدر رزقهم الوحيد.
ولطالما كانت الارض جميعا ملكا لهم، اصبحوا اليوم، مطاردين، بسبب اقامة البؤر الاستيطانية الرعوية، والتي تبدأ بخيمة وتنتهي بمستعمرة كبيرة ، تعج بكافة اشكال الحياة، وتأخذ بالتوسع تدريجيا.
وتقول شيماء ابنة قرية النصارية، شمال مدينة نابلس، انها وعائلتها كما بقية عائلات القرية، لا يعرفون النوم أبدا، وهم يربطون النهار بالليل، خوفا على حياتهم وحياة ابنائهم، ومن تعرضهم للسرقة والنهب، من قبل مستوطن البؤرة الرعوية الجاثمة على اراضيهم، والذي يمنعهم من ممارسة ادنى حقوقهم في التنزه بحرية وقطف النباتات البرية التي اعتادوا قطفها في هذا الموسم بالذات، والتي تكون غالبا مصدر رزق للعديد من العائلات التي تعتاش اساسا، على موسم قطف نباتي العكوب والزعتر، والتي يعرفها سكان المنطقة، إضافة الى نبتة الميرمية، التي تنتشر في سهول وجبال النصارية.
وتضيف شيماء "31 عاما" ، ان حارس هذه البؤرة الرعوية، والذي يسمي نفسة " موسى"، ويجبر الاهالي ان ينادوه بهذا الاسم، يقوم بمنعهم من الاقتراب من حدود بؤرته والتي كانت اساسا خيمة مع بعض الماشية، واليوم هي اكثر من خيمة، وتتوسع يوما بعد يوم، مع زيادة مساحتها، لترسيم حدود خاصة به، وكأنه يمتلكها منذ عقود من الزمن، ولا يكتفي بذلك بل يطالبهم بالرحيل عنها، قائلا لهم" امتلكتموها عشرات السنين والان هذه الارض تعود لنا، نحن اليهود".
وتوضح شيماء وهي ام لخمسة اطفال، انها كانت غالبا ما تعتمد على مزروعات تقطفها، و تبيعها، لتعيل اسرتها، وتدرس ابنائها، والآن خسرت مصدر رزقها ، ولم تعد تجرؤ على الاقتراب من الجبل، ولا حتى اغلب نساء قريتها ايضا، في ظل وجود هذه البؤرة الاستيطانية، والمستوطن المتربص لهم طوال الوقت.
يذكر ان إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية، والتي تعتمد على تربية المواشي، في ظاهرها، والتي يوفر لها جيش الاحتلال، كل سبل الحماية، لم يكن هدفها رعويا بحتا، بل غالبا يتجاوز النشاط الاقتصادي، إلى فرض سيطرة فعلية، على مساحات واسعة من الأرض، خصوصا في المناطق الريفية.
أثر الاستيطان الرعوي على سكان المناطق ..
يعمل هذا النوع من الاستيطان، على تقييد الوصول إلى الأرض،وغالبا ما يُمنع السكان المحليون من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو مراعيهم، سواء بشكل مباشر أو عبر التخويف، ما يؤدي إلى خسارة مصادر رزقهم. اضافة الى الاحتكاك والتوتر، في ظل وجود هذه البؤر بالقرب من القرى، ويؤدي إلى احتكاكات متكررة، وقد يتطور ذلك إلى صدامات أو مضايقات يومية، تؤثر على شعور السكان بالأمان. ومع تدهور النشاط الزراعي، وصعوبة الوصول إلى الأرض، يتراجع النشاط الزراعي والرعوي للسكان الأصليين، ما ينعكس على الاقتصاد المحلي.
بعض العائلات قد تضطر إلى ترك أراضيها أو تغيير نمط معيشتها، بسبب الضغط المستمر، مما يؤدي إلى تحولات اجتماعية واقتصادية، وتهجير قسري يتعرض له السكان الاصليون، نتيجة ان الرعي المكثف أو غير المنظم قد يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتدهور التربة، ونقص الغطاء النباتي، ما يضر بالسكان الذين يعتمدون على هذه الموارد.
وخير مثال على ذلك، خربة الطويل، من اراضي قرية عقربا، جنوب شرق مدينة نابلس، والتي تتعرض يوميا للمضايقات والاعتداءات المتكررة، من أجل تهجير سكانها، والاستيلاء على اراضيهم، كما يؤكد رئيس بلدية عقربا، صلاح جابر، منوها بأن خربة الطويل والبالغة مساحة اراضيها، حوالى ٦٠٠٠ دونم، تم فرض أمر واقع عليها، بسبب الاستيطان الرعوي الجائر، والمضايقات اليومية، التي تهدف الى ترحيل العائلات، وجعلهم يتركون بيوتهم واراضيهم قسرا، بسبب تخويفهم وترهيبهم، المستمرين .
ويستطرد صلاح جابر رئيس المجلس القروي، ان عدد العائلات التي كانت تقطن الخربة، سابقا ٢٦ عائلة، واليوم عددهم ١٦ عائلة، فقط، وتعيش هذه العائلات ظروفا معيشية قاسية جدا، في ظل هجمات وسرقات وحرق لبيوتهم وممتلكاتهم، ولا تكاد حتى مواشيهم تسلم من هذه الممارسات الشرسة، التي ينفذها مستوطنو البؤر القريبة منها، ونتيجة لهذه الإعتداءات، وتصدي اهالي الخربة لهم استشهد في الخربة شابين في حادثين منفصلين، اضافة الى ٤٧ اصابة، بالرصاص والضرب، تعرض لها الاهالي، باستهداف كبير من قبل المستوطنين.
ويذكر جابر، ان استهداف الخربة، لا يكون عبثا، بل منظما ومدروسا،فهي سلة غذاء بلدة عقربا، حيث انها منطقة سهلية بحتة، ولها امتداد لمناطق رعوية واسعه جدا ، واليوم وبواسطة القوة وفرض الامر الواقع تمت مصادرة اغلب مساحة أراضيها، ولم يتبق للاهالي غير محيط بيوتهم، واماكن تواجدهم.
ويخلص الحاج محمد، من سكان الخربة بالقول : ان الاستيطان الرعوي في هذا السياق ليس مجرد نشاط لتربية مواشٍ، بل أداة تُستخدم في اغلب الأحيان لفرض واقع جديد على الأرض، ما ينعكس بشكل مباشر على حياة السكان اقتصاديا، واجتماعيا، ومعيشيا، داعيا كافة الجهات الرسمية، والشعبية، للوقوف الى جانبهم في ظل ما تتعرض له خربة الطويل، من اعتداءات، اليوم اكثر من اي وقت مضى، من حصار ومضايقات،"تهدف الى ترحيلنا من بيوتنا واراضينا التي ورثناها عن آبائنا واجدادنا منذ مئآت السنين"، كما يؤكد الحاج محمد البالغ من العمر ٧٧ عاما، والذي ينظر الى الارض، بعيون الإنتصار ، وقد كستها قساوة الظروف زيادة في العزم والصلابة والصمود .
ويقول الناشط في مجال الاستيطان وسام نصار، من بلدة مادما، انه على الرغم من مرور ما يقارب ال 20 يوما، على الاستيلاء على مئات الدونمات العامرة بالمزارع والاشجار المثمرة والبنية التحتية، من طرق وخدمات، من قبل قطعان المستوطنين، ونصب خيامهم فيها وحرمان اهالي بلدات مادما، وتل وبورين، من الوصول لمزارعهم وممتلكاتهم، التي لم يبق لهم منها شيء، بعد ان تم ابتلاع اراضيهم سابقا في مناطق ج ، والطرق الالتفافية التي اكلت الاخضر واليابس، والمعسكرات، ورغم ذلك تتم سرقة الاراضي، علنا وفي وضح النهار، والعبث فيها وتخريبها، وقطع امدادات الماء، والكهرباء، عن المنطقة، مضيفا ان هؤلاء القطعان يقيمون بؤرهم ويعيثون خرابا وتدميرا ممنهجا، من مطاردة الرعاة والمزارعين، ووصل بهم الامر الى الترصد والاعتداء على اطراف البيوت المجاورة للشارع المؤدي الى البؤرة، على مدخل بلدة مادما الشمالي، بل وتعدى الامر الى طرد اصحاب البيوت قيد الانشاء، وهي مرخصة، حسب الاصول من مديرية الحكم المحلي، في محافظة نابلس والواقعة في اراضي B، اضافة الى سرقة معدات البناء واتلاف الممتلكات، موجها تساؤلات عدة لكافة المسؤولين، باعتبار المنطقة جدار نابلس الجنوبي، "فهل يعقل ان يترك المواطن وحده يواجه مصير سلب ونهب الأرض والشجر." ينهي وسام نصار، مطالب اهالي منطقته.



