آراء

الانتخابات الفلسطينية المقبلة .. استحقاق وطني ورسالة سياسية اراد الرئيس ايصالها إلى العالم

6 مشاهدة
الانتخابات الفلسطينية المقبلة .. استحقاق وطني ورسالة سياسية اراد الرئيس ايصالها إلى العالم
الكاتب : اللواء بلال النتشة

تمر القضية الفلسطينية اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا منذ عقود، في ظل حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصاعد غير مسبوق للاستيطان والضم في الضفة الغربية بما فيها القدس، واستمرار محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة تستهدف تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي خضم هذه التحولات الخطيرة، لم يعد الحديث عن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ترفًا سياسيًا أو استحقاقًا مؤجلًا، وإنما أصبح ضرورة وطنية وسياسية ودستورية، ورسالة واضحة إلى العالم تؤكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والعدوان، ما زال متمسكًا بخيار الدولة، وبقيم الديمقراطية، وبحقه في اختيار ممثليه عبر صناديق الاقتراع.

إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى بصورة متواصلة إلى تصوير الحالة الفلسطينية باعتبارها كيانًا عاجزًا عن إدارة نفسه أو بناء مؤسساته، ويستثمر حالة الانقسام وتعطل الحياة الديمقراطية لترويج روايته أمام المجتمع الدولي، مدعيًا غياب الشريك الفلسطيني القادر على تمثيل شعبه. ومن هنا، فإن استعادة العملية الديمقراطية تمثل ردًا عمليًا وسياسيًا على هذه الادعاءات، وتؤكد أن فلسطين، رغم الاحتلال، تمتلك مؤسسات دستورية وشعبًا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون.

لقد أثبت الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الطويل أنه من أكثر شعوب المنطقة تمسكًا بالممارسة الديمقراطية، فقد شهدت فلسطين انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية ونقابية في أصعب الظروف، وكان الإقبال الشعبي دائمًا تعبيرًا عن الإيمان بأن الديمقراطية جزء أصيل من المشروع الوطني، وليست ترفًا مرتبطًا بظروف الاستقرار.

واليوم، وبعد سنوات طويلة من تعطل الانتخابات بفعل الانقسام السياسي والظروف التي فرضها الاحتلال، ثم الحرب الإسرائيلية التي فاقمت من حجم التحديات، بات من الضروري إعادة بناء الشرعية الشعبية للمؤسسات الوطنية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وفتح المجال أمام مشاركة جميع القوى الوطنية في إطار النظام السياسي الفلسطيني

وفي هذا الإطار، فإن قرار سيادة الرئيس محمود عباس المضي نحو إصدار مرسوم بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، رغم التعقيدات السياسية والأمنية والظروف الاستثنائية التي تمر بها القضية الفلسطينية، يعكس رؤية وطنية بعيدة المدى تؤكد أن بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات لا يمكن أن يبقيا رهينة للأزمات. فهذا القرار يحمل رسالة واضحة بأن القيادة الفلسطينية تؤمن بأن قوة النظام السياسي تستمد شرعيتها أولًا من إرادة الشعب، وأن مواجهة التحديات الوجودية التي يفرضها الاحتلال تستوجب تعزيز الجبهة الداخلية، وتحصين المؤسسات الدستورية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بما يرسخ أسس الحكم الرشيد ويعزز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة المشاريع التي تستهدف حقوقه الوطنية.

كما أن إصرار الرئيس عباس على إجراء الانتخابات، حتى في ظل الحرب والعدوان واستمرار الاحتلال ومحاولاته تعطيل الحياة السياسية الفلسطينية، يؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يتوقف عند إدارة الأزمات، بل يتطلع إلى المستقبل وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة على أسس دستورية وديمقراطية راسخة. فالقيادة الفلسطينية تدرك أن العالم ينظر إلى مدى قدرة الشعوب على ترسيخ قيم الديمقراطية وسيادة القانون، ولذلك فإن هذا القرار لا يخاطب الداخل الفلسطيني فحسب، وإنما يوجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن فلسطين، رغم كونها دولة تحت الاحتلال، ماضية في ترسيخ نموذج الدولة الحديثة التي تؤمن بالتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام إرادة الناخب، وأن الاحتلال وحده هو العقبة الحقيقية أمام استكمال هذا المسار الديمقراطي، وليس الإرادة الفلسطينية.

إن إجراء الانتخابات لا يعني فقط اختيار رئيس أو أعضاء مجلس تشريعي، وإنما يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة تفعيل المؤسسات الدستورية التي تشكل أساس أي نظام سياسي حديث. كما أن وجود مجلس تشريعي منتخب وقادر على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي يعزز من قدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

ومن الناحية السياسية، فإن الانتخابات تمثل رسالة مباشرة إلى الرأي العام العالمي، وإلى الحكومات والمؤسسات الدولية، بأن الدولة الفلسطينية التي يناضل شعبها من أجل الاعتراف الكامل بها ليست مجرد شعار سياسي، وإنما مشروع دولة حديثة تقوم على المؤسسات والدستور واحترام الإرادة الشعبية.

إن المجتمع الدولي، الذي يدعو باستمرار إلى الإصلاح وتعزيز الحوكمة الرشيدة، لا يمكنه أن يتجاهل أهمية دعم إجراء الانتخابات الفلسطينية، بل ينبغي أن يمارس الضغوط على إسرائيل لعدم عرقلة هذا الاستحقاق الوطني، خاصة في مدينة القدس المحتلة، التي يجب أن يشارك أهلها فيها كما شاركوا في الاستحقاقات السابقة، باعتبار القدس جزءًا لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة وعاصمة الدولة الفلسطينية.

كما أن الانتخابات ستوجه رسالة مهمة إلى الرأي العام العربي والإسلامي، مفادها أن الشعب الفلسطيني، رغم حجم التضحيات والدمار، ما زال يبني مؤسساته الوطنية ويتمسك بالمشروع الوطني الجامع، وأن معركته ليست فقط معركة تحرر من الاحتلال، بل أيضًا معركة بناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على المشاركة السياسية وسيادة القانون.

على ضوء ذلك ن فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، وإشراك الشباب والمرأة والنخب الأكاديمية والمجتمعية في صناعة القرار، لأن مستقبل القضية الفلسطينية لن يبنى إلا من خلال شراكة وطنية واسعة تستند إلى الإرادة الشعبية الحرة.

وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تكون الانتخابات جزءًا من رؤية وطنية شاملة لإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والتعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع باعتبارها الوسيلة الحضارية الوحيدة لتداول السلطة.

ولا يمكن إغفال أن الاحتلال سيحاول، كما فعل في السابق، تعطيل هذا المسار أو فرض قيود عليه، خاصة في القدس المحتلة. إلا أن التمسك بحق إجراء الانتخابات في القدس يمثل بحد ذاته معركة سياسية وقانونية تؤكد السيادة الفلسطينية على المدينة، وترفض أي محاولة إسرائيلية لفرض الأمر الواقع.

إن الانتخابات ليست نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة من تجديد المشروع الوطني الفلسطيني، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وترسيخ صورة فلسطين أمام العالم باعتبارها دولة تحت الاحتلال، لكنها تؤمن بالديمقراطية والتعددية واحترام الإرادة الشعبية، وتسعى إلى بناء مؤسسات قوية قادرة على قيادة مرحلة التحرر والاستقلال.

لقد آن الأوان لأن تستعيد الديمقراطية الفلسطينية دورها الطبيعي، وأن تتحول الانتخابات إلى محطة جامعة لكل أبناء الشعب الفلسطيني، تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الوحدة، والشرعية، والشراكة الوطنية، بما يعزز مكانة فلسطين على المستويات العربية والإسلامية والدولية، ويؤكد أن الاحتلال، مهما طال، لن يحول دون إصرار الشعب الفلسطيني على بناء دولته الحرة، الديمقراطية، والمستقلة.

 
*الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس