الكاتب: عبدالحميد البابا
في اليوم الثاني من المؤتمر، التقيتُ بإحدى الشخصيات السياسية، فقال لي: "لماذا أبو مازن؟ لماذا اختارت فتح أبو مازن رئيساً لها؟".
فقلت له: لأن حركة فتح، بكل مكوناتها، تجمع على الرئيس أبو مازن.
فقال: "أبو مازن يعني أوسلو..."
قلت له: أولاً، إن اتفاق أوسلو، أو ما نتج عنه من مفهوم سياسي قائم على حل الدولتين، أصبح اليوم مطلباً فلسطينياً عاماً، لكن المشكلة لم تكن يوماً في الاتفاق بحد ذاته، بل في عدم تطبيقه، وإسرائيل هي التي رفضت الالتزام باستحقاقاته.
وللرئيس أبو مازن دور رئيسي في صياغة اتفاق أوسلو، لكن الاتفاق لم يكن قرار شخص واحد، بل أقرّته حركة فتح وفصائل منظمة التحرير بشكل مباشر وغير مباشر، ووقعه الرئيس الشهيد ياسر عرفات.
لقد قال الرئيس أبو مازن عام 1994، عندما كان أول مكان يزوره بعد عودته إلى أرض الوطن مخيم الأمعري، حيث جال في أزقة المخيم ، وقال لمجموعة من الشبان:
"إن اتفاق أوسلو إما أن يبقينا حكماً ذاتياً، أو يقودنا إلى دولة، وهذا يتحقق بناءً على حسن أدائنا، فعلينا أن نجيد الأداء لنصل إلى الدولة في أقرب وقت."
والسؤال هنا:
هل سرنا نحن وفق المشروع الذي طرحه الرئيس الراحل أبو عمار والرئيس أبو مازن منذ البداية؟ أم أن جزءاً من شعبنا غيّر قواعد اللعبة؟
منذ أوائل التسعينيات، وبعد انتهاء حرب الخليج وحصار منظمة التحرير الفلسطينية، كان موقف أبو مازن واضحاً: لا يمكن استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية إلا عبر العمل السياسي والدبلوماسي والسلمي، وليس من خلال الاستنزاف المفتوح.
ومن هذا المنطلق، قاد مفاوضات اتفاق أوسلو، التي قامت على معادلة: الأرض مقابل السلام.
جوهر هذه المعادلة كان أن الشعب الفلسطيني سيحصل على دولته المستقلة إذا نجح في فرض معادلة الاستقرار والأمن، لأن المجتمع الدولي كان مستعداً لدعم هذا المسار، بينما كانت إسرائيل تجد صعوبة في مواجهة مشروع سياسي يستند إلى الشرعية الدولية.
لكن المشكلة لم تكن في النص السياسي، بل في التطبيق على الأرض.
فبعد توقيع أوسلو، وقبل استلام السلطة الفلسطينية لقطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية، بدأت العمليات التفجيرية التي نفذتها حركة حماس، في توقيت سياسي شديد الحساسية، بينما كانت المفاوضات تمر بمرحلة مفصلية.
وبعد عودة منظمة التحرير إلى الوطن، بدأ الشهيد ياسر عرفات مشروع بناء الدولة: مؤسسات دولة ، وأجهزة امنية ، وميناء، ومطار، وبنية سياسية واقتصادية تؤسس لاستقلال تدريجي.
كان المواطن الفلسطيني يسافر عبر مطار فلسطين، ويتعامل مع مؤسسات فلسطينية، وكانت هناك ملامح دولة تتشكل رغم الاحتلال ، وكان المواطن يسافر من الضفة لقطاع غزة ، مرتين بالاسبوع دون يقف على الحواجز الاسرائيلية ، وبدون فحص امني
لكن، بدلاً من حماية هذا المشروع، دخلنا في صراع وفق شروط إسرائيل، لا وفق شروطنا نحن.
إسرائيل تجيد الحرب، لأنها نشأت في ظل صراعات وحروب، بينما نحن نملك قوة الشرعية والحق السياسي.
كان يفترض أن نُجبر إسرائيل على خوض معركة الشرعية والسلام، لا أن نمنحها التفوق في ميدان القوة العسكرية.
إن ما يوحد المجتمع الإسرائيلي ويقوي حكوماته غالباً هو مناخ الحرب والخوف، بينما يشكل السلام والاستقرار تحدياً كبيراً للخطاب الأمني الإسرائيلي.
وقبل سنوات، كان الحديث يدور عن دولة فلسطينية على معظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وعن قضايا القدس والحل النهائي ، واللاجئين ، والاستيطان
أما اليوم، فقد تراجعت الأولويات لتشمل وقف الحرب على غزة ، وإدخال المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير، وترتيبات إدارة قطاع غزة ، تحت الوصاية الامريكية
لم يعد الحديث كما كان سابقاً يدور حول تفاصيل مشروع الدولة، بل حول الحد الأدنى من المتطلبات الإنسانية.
هذا التراجع لم تصنعه عملية السلام وحدها، بل صنعته أيضاً الانقسامات الفلسطينية، وتعثر المسارات السياسية، وغياب البدائل الوطنية الجامعة ، واحداث 7 اوكتوبر ، والانقسام بين الضفة وغزة ، ومحاولة حماس اقامة دولة خاصة بقطاع غزة
لذلك، قبل أن نوجه أصابع الاتهام نحو الرئيس أبو مازن، علينا أن نراجع أنفسنا أولاً:
هل التزمنا جميعاً بمشروع الدولة؟
هل حافظنا على قواعد العمل السياسي؟ أم استبدلنا مشروع التحرر الوطني بصراعات الفصائل والانقسامات الداخلية؟ والعمل الفصائلي المنفرد
لقد استطاع الرئيس أبو مازن إيصال المشروع الوطني الفلسطيني إلى المحافل الدولية، وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بفلسطين.
أدار الرئيس ابو مازن العمل السياسي الفلسطيني وفق رؤيته القائمة على العمل الدبلوماسي والشرعية الدولية، وتمسك بموقفه في العديد من الملفات، سواء مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، أو خلال المفاوضات السياسية.
ولم يكن اختيار مجلة "فورين بوليسي" للرئيس محمود عباس ضمن قائمة الشخصيات المؤثرة في الفكر والسياسة عام 2011 أمراً عابراً، بل جاء في سياق رؤية اعتبرت أن له دوراً في العمل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني.
لقد تمسك الرئيس أبو مازن، خلال المفاوضات المختلفة، بمطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2011، أكد أن هدف الشعب الفلسطيني يتمثل في إقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما أكد على استمرار المقاومة الشعبية السلمية، باعتبارها شكلاً من أشكال النضال المشروع.
وخلال مراحل سياسية مختلفة، رفض الرئيس أبو مازن عدداً من الطروحات الأمريكية والإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بالاستيطان، أو القدس، أو بعض المبادرات السياسية، وتمسك بموقفه السياسي المعلن.
كما عملت القيادة الفلسطينية خلال عهده على توسيع حضور فلسطين الدولي، من خلال الانضمام إلى مؤسسات واتفاقيات دولية متعددة، بما عزز المكانة القانونية والسياسية الفلسطينية.
واليوم، جددت حركة فتح البيعة للرئيس أبو مازن انطلاقاً من القناعة بخيار العمل السياسي والدبلوماسي، ورؤيتنا بأن المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج إلى وحدة داخلية، واستراتيجية وطنية جامعة، وقدرة على حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية.
لقد قال وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش في لقاء مع مستوطنين بالقدس في مؤتمر دعم الاستيطان : ان خطر ابو مازن على إسرائيل اكثر من خطر ٧ اوكتوبر
وقال سموتريتش : “السلطة الفلسطينية هي المشكلة، أما حماس فهي مكسب” في سياق حديثه عن أن مشروع أبو مازن السياسي أخطر على إسرائيل من حماس ، لأن السلطة تسعى لاعتراف دولي بدولة فلسطينية
ويرى سموتريتش أن مشروع السلطة الفلسطينية يمثل تهديدًا سياسيًا لإسرائيل، لأنه يعتمد على الشرعية الدولية والدبلوماسية
وفي عام 2022، وصفه ليبرمان بأنه “إرهابي متورط في الإرهاب السياسي” وقال إنه “أخطر من نشطاء حماس والجهاد الإسلامي”.
وبعد ٧ اوكتوبر قال ليبرمان : “أبو مازن إرهابي مثل السنوار”.
وقال نتنياهو : “أبو مازن يواصل التحريض على إسرائيل وليس شريكا بالسلام
*لواء متقاعد



