يونس العموري
في الليلة التي تسبق ولادة الآلهة الجديدة، كانت رام الله تشبه مدينة رومانية متعبة، تجلس على تل من الرماد، وتعد اسماء القياصرة قبل اعلان الوريث الاخير.... وفي الازقة البعيدة، كان رجال بملامح غيفارا القديمة يشربون قهوتهم الباردة كأنها مراثي الاندلس، يتبادلون صور الشهداء كما كان احفاد طروادة يتبادلون خرائط المدن المحترقة... ذلك الاجتماع الكبير لم يكن اجتماعا، بل كان معبدا فرعونيا يعاد فيه وزن القلوب بريشة التسوية، لا بريشة البندقية... وكان الكهنة الجدد يتهيأون لاعادة كتابة السفر القديم، لكن هذه المرة بحبر الدبلوماسية الرمادي، لا بدم المخيمات... في القاعات المغلقة، تتحرك الوجوه كقطع شطرنج فارسية، كل واحد ينتظر موقعه قرب العرش، بينما تلقى سيوف الكنعانيين القدامى في مخازن النسيان... اما اولئك الذين عبروا نهر الكفاح حفاة، الذين ناموا في زنازين الملح، والذين علقوا اسماءهم على جدران المنافي، فقد صاروا مثل محاربي اسبرطة بعد سقوط الاسطورة .. يجلسون الان في مقاهي نابلس وغزة وعمان والقاهرة وبيروت، وفي حانات الشتات الباردة، ينظرون الى نشرات الاخبار كما ينظر البحارة القدامى الى سفينة غادرت بلاهم... لا احد يسمعهم... فقد اصبحت اللغة الجديدة تحتاج الى ربطة عنق، لا الى ندبة في الكتف... الحركة التي خرجت يوما من رحم العاصفة .. كحصان بري يركض بين البنادق، تبدو اليوم كامبراطورية هرمة تحاول النجاة بعقد هدنة مع الوقت. .. والقيادة التي يعاد هندستها الان، لا تبنى على هيئة الفدائي القديم، بل على هيئة الاداري الذي يعرف كيف يبتسم امام الخرائط الدولية، وكيف يخفي الهزيمة داخل خطاب طويل عن الواقعية السياسية...
وفي الخارج ... ينتظر البؤساء... اولئك الذين لم يتعلموا فن الصمت، ولا هندسة الولاءات، ولا طقوس الصعود في المعابد الحديثة... ينتظرون كما انتظر الهنود الحمر عودة الغيوم، وكما انتظر جلجامش عشبة الخلود، وكما انتظر اخر الحراس في غرناطة صوت الخيل التي لم تأت...
كل مدينة فلسطينية الليلة تشبه ارملة قديمة تفتح صندوق الذكريات، وتسأل نفسها .. هل ما زالت الثورة تعرف وجهها الاول ..؟ ام ان المرايا الجديدة اصبحت تخاف من ملامح البنادق القديمة .. ؟ وفي مكان ما، كان التاريخ يجلس وحيدا مثل ناسك اشوري عجوز يراقب سقوط الرايات بصمت... لم يكن حزينا فقط، بل كان مذهولا من السرعة التي تتحول فيها الثورات الى مكاتب، والبنادق الى بروتوكولات، والشهداء الى صور مؤطرة على جدران باردة يمر امامها الموظفون دون ان يرفعوا رؤوسهم...
في تلك الليلة، بدت البلاد كأنها خارجة من حرب بابلية طويلة... الوجوه شاحبة، والاسئلة اكثر من الخبز، والناس يسيرون في الشوارع كأنهم يبحثون عن شيء سقط منهم منذ سنوات ولم يجدوه... حتى الامهات اللواتي كن يزغردن للراحلين نحو المنافي، صرن يخبئن اصواتهن كما تخبئ المدن المهزومة اخر اعمدتها الرخامية قبل الغزو... كان الجميع ينتظر الاسماء الجديدة، لكن احدا لم يكن ينتظر المعنى... فالاسماء تتغير دائما، اما الخراب فيبقى جالسا على الكرسي ذاته...
في الزوايا المعتمة، كان رجال المرحلة القديمة يتحدثون همسا عن ايام المتاريس، عن رائحة البارود في الاغوار، عن ليال بيروت حين كانت البنادق اعلى من الخطب، وعن زمن كان المنفي فيه يحمل وطنه داخل حقيبة عسكرية لا داخل تصريح عبور... احدهم قال بصوت مكسور.. لقد صرنا غرباء داخل الحلم نفسه... ثم صمت، كما يصمت جنرال مهزوم امام خريطة لم تعد تشبه بلاده... وفي العواصم البعيدة، كان المنفيون يحدقون في الشاشات كما يحدق ابناء المايا في نبوءة النهاية... كل واحد منهم يشعر ان شيئا ما ينطفئ، ليس في السياسة فقط، بل في الروح القديمة التي كانت تجعل الفقراء يشعرون ان لهم مكانا تحت الشمس... حتى المخيمات بدت هذه الليلة اقل ضجيجا... كأنها مدن تعبت من انتظار الفرسان... ... وفي الازقة الضيقة التي اكلها الغبار، كان الصبية الذين ولدوا تحت اسقف الزينكو القديمة، يخفون في جيوبهم حجارة مصقولة اكثر مما يخفون دفاتر المدرسة... كانوا يعرفون شكل الجندي من وقع الخطوات، ويعرفون كيف تتحول الارصفة فجأة الى متاريس صغيرة، وكيف يصبح الحجر حين يخرج من يد جائعة، اكبر من خوذة مدججة بالفولاذ... كانت الشوارع يومها تشبه اساطير كنعانية قصيرة... فتى نحيل يركض بين الدخان، وام تراقب النافذة كأنها تراقب نجمة اخيرة في سماء محاصرة، ووجوه صغيرة تتعلم مبكرا ان الوطن ليس خريطة، بل قدرة غامضة على الوقوف رغم العاصفة... وفي تلك السنوات، كانت البلاد تبدو كأنها تستعيد لغتها الاولى... لغة الايدي العارية، والقبضات المرتجفة، والاعلام التي تخاط من الليل نفسه... حتى الجدران كانت تحفظ اسماء الغائبين كما تحفظ المعابد القديمة اسماء آلهتها المنسية... لكن الزمن الذي مر فوق المدن كقافلة اشورية قاسية، اخذ معه اولئك الصبية الى اعمار اخرى... بعضهم صار موظفا يمر مسرعا قرب الحواجز دون ان ينظر اليها، وبعضهم اختفى داخل المنافي، وبعضهم بقي معلقا على الصور، بعينين لم تكبرا ابدا... اما الحجارة، فقد بقيت وحيدة على جوانب الطرق، كأنها بقايا صلاة قديمة لم يعد احد يتذكر كلماتها... الاطفال الذين كانوا يرسمون البنادق على دفاتر المدرسة صاروا يرسمون حدودا واسلاكا وحواجز، والجيل الذي تربى على اغاني العاصفة كبر فجأة داخل عالم يعرف فيه معنى الراتب اكثر مما يعرف معنى الحرية... اما الحراس القدامى، فقد بقوا عند ابواب الذاكرة مثل تماثيل سومرية متشققة، لا يملكون سوى الحنين، ولا يملكون القدرة على العودة... وكان الليل يهبط ببطء على البلاد، ثقيلا كخوذة جندي روماني مهزوم، بينما كانت المدن تغلق ابوابها وتترك اسئلتها معلقة فوق الاعلام القديمة...
وفي اخر الممر، خلف الابواب الثقيلة، كان الورثة الجدد يرتبون المقاعد، ويعيدون تقسيم الظلال، ويكتبون مستقبل المرحلة بلغة لا تشبه صرخات المخيمات الاولى... اما الذين احترقت اعمارهم على حدود الحلم، فلم يكن لهم سوى الانتظار... انتظار يشبه صلاة وثنية في معبد مهجور، او يشبه اخر جندي قرطاجي ينظر الى البحر ويعرف ان السفن لن تعود هذه المرة.



