الكاتب : محمد زهدي شاهين
★الحلقة الثالثة★
ليست كل دولة تُعلَن تُصبح دولة، وليست كل سيادة تُمنَح تتحقق على الأرض. في الحالة الفلسطينية، يبدو السؤال عن "إعلان الدولة" أكثر تعقيدًا من كونه خطوة سياسية، إذ يتحول إلى اختبار حقيقي للوعي: هل نحن أمام تتويج لنضال طويل، أم أمام قفزٍ فوق شروط الواقع؟
لقد ترسّخ في الوعي الجمعي أن الدولة تمثل الغاية الطبيعية لأي حركة تحرر، وأن إعلانها يُعدّ انتصارًا بحد ذاته. غير أن هذا التصور على وجاهته الظاهرية يغفل حقيقة أكثر صلابة مفادها بأن الدولة ليست اسمًا، بل وظيفة؛ وليست اعترافًا، بل قدرة.
من هنا، فإن الذهاب نحو تعريف الذات كـ"دولة" في السياق الفلسطيني، دون امتلاك أدوات السيادة الفعلية، قد لا يكون انتقالًا إلى الأمام، بل إعادة تموضع داخل قيدٍ جديد، أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.
أول ما يُدفع ثمنه هو التحول في المكانة السياسية. فالحركة التي كانت تُخاطب العالم بوصفها حركة تحرر، تستند إلى سردية العدالة التاريخية، ستجد نفسها فجأة أمام منظومة دولية لا تعترف إلا بموازين القوة. وهنا، لا يعود السؤال: "هل قضيتك عادلة؟"، بل: "هل تلتزم بقواعد اللعبة؟". هذا التحول ليس شكليًا، بل يجرّد الخطاب الفلسطيني من جزءٍ مهم من زخمه الأخلاقي، ويضعه في موقع المساءلة بدل موقع المطالبة.
أما على الصعيد الأمني، فإن السيادة تعني في جوهرها احتكار استخدام القوة داخل الإقليم. لكن ماذا يحدث عندما تُعلَن السيادة دون القدرة على فرض هذا الاحتكار؟ هنا يظهر التناقض الحاد: كيان يُطالَب بضبط السلاح، وهو لا يملك السيطرة الكاملة على الأرض؛ وسلطة تُحاسَب على الأمن، بينما مفاتيح الجغرافيا ليست بيدها. النتيجة المحتملة ليست سيادة منقوصة فحسب، بل هشاشة داخلية قد تنزلق إلى صدامات أو فوضى مقنّعة.
وفي البعد الاقتصادي، تتكشّف مفارقة أخرى. فالدولة بحكم تعريفها تحتاج إلى موارد مستقلة، وحدود قابلة للتحكم، وقدرة إنتاجية تضمن الحد الأدنى من الاكتفاء. لكن الاقتصاد الفلسطيني، في بنيته الحالية، ما يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي، سواء عبر المعابر أو العمل أو تدفق السلع. وعليه، فإن إعلان الدولة دون فك هذا الارتباط، يحوّل السيادة إلى إطار شكلي، تُدار داخله تبعية فعلية، بتكلفة مالية وسياسية مرتفعة.
ولا تقل الكلفة القانونية خطورة. فالدولة ليست فقط صاحبة حق، بل أيضًا طرف مُلزَم باتفاقيات كقضية هشام حرب (محمود العدرة) التي ليست عنا ببعيد، والدولة أيضا طرف مُلَزم بمحاكم، و بمساءلة دولية. وفي بيئة غير متكافئة، قد تتحول هذه الالتزامات إلى أدوات ضغط، تُستخدم لتقييد القرار الفلسطيني بدل تمكينه.
لكن الكلفة الأعمق والأقل نقاشًا هي الكلفة النفسية والاجتماعية. فبمجرد إعلان الدولة يرتفع سقف توقعات الناس: حياة أفضل، استقرار، كرامة يومية. وعندما تصطدم هذه التوقعات بواقعٍ محدود الإمكانيات، تتآكل الثقة، ويتحوّل الإنجاز الرمزي إلى مصدر إحباط. وهنا، لا تكون الخسارة سياسية فقط، بل معنوية أيضًا.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن تأجيل تعريف الذات كدولة له كلفته كذلك. فهو يُبقي الحالة الفلسطينية في منطقة رمادية: لا هي حركة تحرر مكتملة الأدوات، ولا هي دولة مكتملة السيادة. وهذا الغموض ينعكس على الخطاب، وعلى الاستراتيجية، وعلى القدرة على بناء مشروع وطني واضح المعالم.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: "هل نعلن الدولة؟"، بل: "هل نملك شروط السيادة؟"
فالدولة التي تُعلَن قبل أوانها، قد تتحول إلى قيدٍ جديد، يُكبّل الفعل السياسي بدل أن يحرّره.
إن التحدي الفلسطيني اليوم ليس في اختيار التسمية، بل في بناء القدرة: قدرة على التحكم بالأرض، وعلى إدارة الموارد، وعلى فرض القرار. وعندها فقط، يصبح إعلان الدولة تتويجًا طبيعيًا لمسار نضالي، لا محاولة لتعويض نقصه.
فالسيادة، في جوهرها، لا تُمنَح… بل تُمارَس.



