الكاتب : أشرف عكة
لا زالت الجغرافيا تسيطر بسلطتها العميقة على السياسة العالمية رغم التطور التكنولوجي وصعود الذكاء الاصطناعي وثورة الاتصالات وظهور الحروب الهجينة في عالمنا المعاصر ، فالدول الكبرى والاقليمية تتحرك اليوم داخل خرائط جيوسياسية وتخوض حروبها وتنافسها وصراعاتها ضمن حدود ، وتبني قوتها على الموانئ والممرات البحرية والموارد الطبيعة ووبالتالي فان الموقع الاستراتيجي في قلب هذه الحقيقة حيث طرحت الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران أين يقف الشرق الاوسط باعتباره أكثر أقاليم العالم ارتباطا بالجغرافيا السياسية ، حيث تتقاطع فيه القارات الثلاث وتركز الطاقة العالمية وتتنافس فيه وعليه القوى الكبرى عير البحار والممرات الحيوية ، وهنا جاءت هذه الحرب لتظهر سلاحا استراتيجيا جديدا قمضيق هرمز كأحد اهم الممرات الجيوسياسية في العالم باعتباره ممرا شكل عقدة استراتيجية قادرة على تقويض الاقتصاد العالمي واشعال الحروب او فرض التسويات الكبرى و هنا أبرزت هذه الحرب الجغرافيا السياسية كادة استراتيجية حديثة في ادارة القوة والصراع والتحالفات وقيل ان فهم الازمات الدولية لا يكتمل دون فهم الخريطة الجغرافية والسياسية على حد سواء .
وهنا علينا أن نقول ان النظريات الجيوسياسية وتطبيقاتها على الشرق الاوسط قد اظهرت منذ زمن ان من يسيطر على قلب اوراسيا يقترب من السيطرة على العالم وجاءت تطبيقات نظرية قلب العالم " لهالفورد ماكندر " لتمتد في تطبيقاتها الحديثه الى محيط هذا القلب اي الشرق الاوسط باعتباره بوابة الربط بين اوروبا واسيا وافريقيا وحاكت ايضا نظرية القوة البحرية ل " الفرد ماهان " التي قاربت بين السيطرة على البحار والممرات المائة والهيمنة الدولية والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا أصبح مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس مناطق تنافس؟ حيث جاء المضيق ليؤكد الحقائق التالية أولا : ضيق المسافة ما يجعله سهل التأثر عسكريا بمعنى اي فعل عسكري حربي او توتر امني يؤثر على حركة الملاحه والناقلات ، وثانيا : وقوعه بين ايران من جهة ودول الخليج العربي من جهة اخرى يجعله منطقة تماس دائم وتنافس في اطار النفوذ الاقليمي والمجال الحيوي للدول المتشاطئة ، ثالثا : اعتتماد الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والتجاره الدولية عليه وتحديدا اسيا واروبا ولهذا مازال العالم على وقع نتائج هذه الحرب سواء بارتفاع اسعار الطاقة والاضطراب في الاسواق العالمية والتجارة الدولية مع كل صاروخ يطلق او تصريح من قبل اطراف الصراع .
ولهذا كانت ومازالت هذه الحرب ترتبط بصراع اعمى على النفوذ العالمي والتحكم بالممرات الاستراتيجية وليس برنامج ايران النووي او الصاروخي فحسب ، حيث سعت الولايات المتحدة في هذه الحرب لاسقاط ايران الدولة والنظام لانها تعتقد ان من يسيطر على الخليج يسيطر على النفط العالمي والملاحه الدولية ويؤثر تأثيرا مباشرا على بقاء الهيمنة الامريكية ويحاصر خصومها الدوليين كروسيا والصين ويمنع من صعود اي قوة اقليمية اخرى تهدد النظام الاقليمي القائم منذ عقود ، ومن هنا أصبح ينظر لايران كتهديد استراتيجي متعدد الابعاد " نووي وصاروخي وشبكات نفوذ وجغرافيا " وعليه برزت ايران في هذه الحرب كقوة اقليمية طبيعية استخدمت الجغرافيا كورقة ضغط و قوة لما تملكه من سواحل طويلة والقرب من هرمز والعمق الجغرافي والديمغرافي والطوبغرافي وشبكة الحلفاء الاقليميين .
وفي المقابل فرضت الجغرافيا قيودا قاسية على اطراف الصراع حيث ان مهاجمة ايران خلال الحرب الاخيرة لم تكن سهلة بسبب المساحه والجبال أضف الى ذلك ان اغلاق مضيق هرمز من قبل ايران حيث اضر ذلك بالاقتصاد العالمي ومرور ناقلات النفط والتجارة الدولية ، لكنه ايضا اضر في ايران نفسها بعد الحصار البحريالمستمر الذي فرضته الولايات المتحدة حول المضيق وان استطاعت الولايات المتحدة واسرائيل من توجيه ضربات قوية لايران خلال حرب الاربعين يوما الماضية الا ان حسابات كلفة الانزلاق الى حرب اقليمية مفتوحه تقيد فائض القوة الامريكية ، حيث عرف في التاريخ أن الجغرافيا تنتج حروبا محدوده بدلا من الحسم الشامل ، ومن هنا فان المشكلة التي نعالجها في هذا المقال تتمحور حول لعنة الموقع وفرصته على حد سواء ليس لايران فقط وانما للشرق الاوسط ككل ، حيث انه يتمحور حول الشرق الاوسط والصراع بسبب موقعه المميز والاستراتيجي الذي يمكن ان يتحول لمنطقة عبور وتكامل اقتصادي عالمي اذا توافرت ارادة سياسية مستقرة ، لان المنطقة تملك اكبر احتياطات الطاقة في العالم واهم ممرات بحرية من باب المندب الى قناة السويس الى مضيق هرمز حيث يشكل الموقع رابطا للقارات الثلاث "قلب العالم" سوقا شابه وكبيرة وامكانات لوجستية هائلة ، لكن الصراعات المفتوحه في المنطقة من ايران الى اليمن الى لبنان الى سوريا الى فلسطين والحروب العسكرية الاسرائيلية الامريكية التي لا تنتهي في المنطقة جاءت بهذه الحرب لتهدد استقرار المنطقة وتضعها في أتون صراع مفتوح شامل ومدمر لتجعل الجغرافيا نعمة معطله .
وفي نهاية المطاف لا يمكن فهم السياسة العامية دون فهم الجغرافيا فالدول قد تغير حكوماتها وسياساتها وخطاباتها وتوقع اتفاقيات جديدة لكن تبقى الجغرافيا اكثر ثباتا من السياسيين والقادة ، وبالتالي فان مضيق هرمز ذلك الممر المائي الصغير احدث التاثير الكبير على توازنات القوى الدولية والاقليمية لما يحتفظ به من تاثير مباشر على اسعار النفط وصلت الى حد جيوب المواطن الامريكي ما أثر على قرارات الادارة الامريكية واربك حسابات الرئيس دونالد ترامب وحلفاءه القلائل ويوميات الحرب .
ولهذا يثبت شرقنا الاوسط مرة اخرى وكما يعتقد المفكر الروسي الكسندر دوغين أن الشرق الاوسط ليس ممرات بل ساحة اختبار دائمة بين من يسيطر على البحر ومن يرفض ان يحاصر من البحر وانه مهد الحضارات والرسالات وقلب العالم وان الجغرافيا ليست خلفية للاحداث بل احد اهم صانعيها ، فيا قادة وشعوب الشرق الاوسط جميعا اتحدوا معا في مواجهة الهيمنه ونهب الموارد وسلب الثروات وتدمير مستقبل المنطقة وأجيالها من قبل الدول الاستعمارية والامبريالية المختلفة .
* خبير في العلاقات الدولية



