الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
ليست هذه لحظة عابرة في تاريخ حركةٍ بحجم فتح، وليست محطة تنظيمية تُضاف إلى أرشيف الاجتماعات والقرارات. نحن أمام لحظة مصيرية، لحظة يتوقف عليها المعنى ذاته: إمّا أن نكون أو أن لا نكون.
في الخارج، لا ينتظرنا فراغ سياسي، بل مشروع يتقدّم، وضغوطٌ تتكثّف، واستحقاقات تُفرض. وفي الداخل، يقف شعب مثخن بالجراح: في غزة حيث الإنسان يُسحق تحت الركام، يبحث عن ماء ودواءٍ وملجأ، وفي الضفة حيث الخوف يتمدّد، والتهجير يتسلل، والمستوطنون يعيثون خرابا في الأرض وبين الناس. هذه ليست صورا إعلامية هذه حقيقة يومية تفرض نفسها على كل من يدعي المسؤولية.
وسط هذا كله، ينعقد المؤتمر الثامن فهل سينعقد بوصفه استجابة لهذه اللحظة أم هروبا منها ؟ المؤسف، بل والخطير، أن تنزلق النقاشات إلى ما هو أدنى من حجم الكارثة ،الى كتل، محاور، حسابات، كوتات، سباق على المواقع ، وكأننا أمام موسم انتخابي عادي، لا أمام منعطف وجودي. كأن السؤال هو: من ينجح؟ لا ماذا سنفعل بهذا الشعب الذي يُكسر كل يوم؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس فقط إنتاج قيادة ضعيفة ، بل إنتاج قيادة بلا موقف. قيادة تقبل بما يُعرض عليها (كما هو ) أو تتنازل تدريجيا عن الحد الأدنى من البرنامج السياسي الذي شكّل، منذ عقود، سقفا وطنيا لا يجوز النزول عنه ، وهنا لا تكون الخسارة تنظيمية ، بل تكون خسارة معنى.
لسنا اليوم بحاجةٍ إلى تجميل الخطاب السياسي، ولا إلى إعادة تدوير الشعارات. نحن بحاجةٍ، قبل كل شيء، إلى برنامج إنقاذ: برنامج يُخاطب الإنسان الفلسطيني في لحظة انكساره، يُعيد ترتيب الأولويات، يضع حماية الناس وكرامتهم في صدارة الفعل، لا في هامش البيانات ، برنامجٌ يسأل بوضوح: ماذا نفعل أمام ما يجري في غزة؟ كيف نواجه واقع التهجير والاقتحامات في الضفة؟ ما هو موقفنا الحقيقي من تغوّل المستوطنين؟ وأين تقف فتح فعلا لا قولا من كل ذلك؟
هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا بل شرط لأي شرعيةٍ قادمة.
إيها المؤتمرين: انتم اليوم لا تختارون أسماء أنتم تختارون اتجاها.
لا تمنحوا أصواتكم لمن يملك قدرةً على الحشد، بل لمن يملك قدرةً على الوقوف.
لا تختاروا من يجيد الحسابات، بل من يحتمل كلفة الموقف.
فالموقع، في هذه اللحظة، ليس امتيازاً ، بل عبءٌ أخلاقي وسياسي.
نحن بحاجةٍ إلى قيادةٍ تفهم معنى أن تكون ثائرا لا مجرد صاحب منصب؛
قيادةٍ لا تلبس البزّة الرسمية لتُخفي ارتباكها، بل تحمل وضوحا يُطمئن شعبها؛
قيادةٍ تعرف أن قول لا في اللحظة المناسبة، قد يكون أثمن من ألف نعم
إن صندوق الاقتراع، في هذه المرة، ليس مجرد إجراء تنظيمي
إنه امتحان ضمير.
فإما أن تخرجوا منه بقيادة قادرة على حماية ما تبقّى، والاستعداد لما هو قادم، وإما أن تخرجوا منه بترتيباتٍ داخلية ترضي البعض وتخذل شعبا كاملا .
والسؤال الذي سيبقى معلقا ، إن لم يُجب عليه هذا المؤتمر بوضوح:
ماذا تقول فتح أمام هذا كله؟
وهل يجوز أن ينفضّ المؤتمر دون أن يملك الإجابة؟
التاريخ لا ينتظر أحدا.
واللحظات المصيرية لا تتكرر.
فكونوا على قدرها ، أو اتركوا المكان لمن هو كذلك.
* اسير محرر في الصفقة الاخيرة يقبع في القاهرة



