الكاتب : د. سليمان جرادات
في وطن يواجه قيودا متزايدة على حركة الإنسان والمال والموارد ، لم يعد الاقتصاد الفلسطيني مجرد أرقام ومؤشرات، بل أصبح انعكاسا يوميا لمعاناة الناس ولقمة عيشهم وكرامتهم ، فالأزمة اليوم ليست مالية فقط، بل وطنية واجتماعية وإنسانية ونفسية تمس كل بيت فلسطيني، من عامل فقد مصدر رزقه، إلى أسرة أثقلها الغلاء، وموظف أنهكته الالتزامات وتأخر الرواتب ، ورغم هذا الواقع الضاغط يبقى الفلسطيني متمسكا بأمله في حالة تكامل بين المجتمع و الحكومة لمواجهة كافة التحديات والتصدي لما يفرضه الواقع من مؤامرات وضغوط معقدة تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
منذ عدة سنوات ولظروف سياسية معقدة يعيش الموظف الفلسطيني على أنصاف الرواتب، ويعيش العامل على الانتظار ، ويعيش التاجر على أمل حركة اقتصادية بعد فقد مئات الألاف أعمالهم داخل الخط الأخضر منذ السابع من أكتوبر 2023 بعد قرار غير مدروس اوصل الحالة الفلسطينية إلى مفترق طرق صعب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتدميريا لجزء كبير من الآمال وفتح أبواب البطالة والفقر على مصراعيها، لتدخل آلاف الأسر في دوامة الحاجة والديون والعجز ، حيث أصبح الأب عاجزا أمام متطلبات بيته، والأم تؤجل احتياجات أطفالها، والشاب يحمل شهادته ويبحث عن فرصة لا يجدها والتعليم والصحة وغيرها من القطاعات...
وما يزيد الألم، أن المواطن لا يواجه الضغوطات وحده، بل يواجه أيضا قسوة البنوك التي وجدت في الأزمة بابا للاستغلال وللربح، فارتفعت الفوائد ، وتراكمت الأقساط ، وتحول الراتب إن صُرف إلى مجرد رقم يمر سريعا من الحساب إلى حسابات الديون. وكأن الموظف لم يعد يقبض راتبه ليعيش، بل ليسدد ما تراكم عليه من ديون والتزامات كي يبقى واقفا.
وعلى الأرض، يتواصل الخنق اليومي إغلاقات للمحافظات، وحواجز تقطع الأرزاق قبل الطرق، ومداهمات تربك العباد والأسواق، واعتداءات المستوطنين التي ازدادت اعتداءاتهم وتوسع استيطاني يبتلع ما تبقى من مساحة للحياة. أما غزة، فحكايتها وجع آخر حصار، ودمار،وحياة واقتصاد أنهكته الحرب حتى بات الناس هناك يبحثون عن أبسط مقومات البقاء.
وسط هذا المشهد الثقيل، جاء اجتماع التحالف الدولي في بروكسل بمشاركة رئيس الوزراء د. محمد مصطفى وبمشاركة العشرات من ممثلي الدول والمنظمات الإقليمية والدولية لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل في 20 أبريل/نيسان 2026، كنافذة أمل ولو صغيرة، مع تصاعد المطالب الدولية بالإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، التي تتجاوز ملياري دولار، وهي أموال فلسطينية تمثل شريان الحياة للموازنة العامة، ومن دونها تبقى الحكومة مكبلة في تحقيق خططها وبرامجها فالرواتب معلقة، والخدمات مهددة، والأسواق راكدة.
الإفراج عن هذه الأموال ليس مجرد إجراء مالي، بل هو تنفس لآلاف العائلات، وإنعاش للأسواق، ورسالة طمأنينة لمواطن أنهكته الأزمات ، فانتظام الرواتب اليوم ليس ترفا، بل ضرورة وطنية واجتماعية واقتصادية، لأنه يعيد بعض الكرامة للناس، ويحرك عجلة السوق، ويمنح الأسرة فسحة من الأمان.
وفي هذا السياق، ورغم ما تبذله الحكومة الفلسطينية من جهود ضمن ما هو متاح لها من إمكانات وظروف مالية وسياسية بالغة التعقيد، فإن المرحلة الراهنة تستدعي مزيدًا من الخطوات العملية الملموسة التي تقترب أكثر من هموم المواطنين وتلامس احتياجاتهم اليومية بصورة مباشرة، فالمواطن الفلسطيني، في ظل الأزمات المتراكمة وتداعيات الحرب والحصار وتعثر صرف الرواتب وارتفاع كلفة المعيشة، لم يعد ينتظر الخطاب التفسيري بقدر ما ينتظر إجراءات عاجلة تعزز صموده وتحفظ كرامته.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر فاعلية وتنظيمًا، تقوم على دعم مختلف الشرائح المتضررة، وفي مقدمتها العمال العاطلون عن العمل، والأسر محدودة الدخل، والموظفون الذين أثقلت كاهلهم الالتزامات المالية، وذلك ضمن آليات عادلة وشفافة تحفظ الكرامة الإنسانية وتحقق العدالة في التوزيع. كما أن تفعيل أدوات حديثة، كالمحفظة الإلكترونية، يمكن أن يشكل خطوة مهمة لتسريع إيصال المساعدات والمخصصات المالية إلى مستحقيها بكفاءة ومرونة، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية أو التأخير الذي يفاقم معاناة الناس.
وفي المقابل، فإن ضبط العلاقة مع القطاع المصرفي بات ضرورة وطنية واقتصادية، بما يضمن الحد من أي ممارسات تزيد من الأعباء على المواطنين، خصوصًا في ما يتعلق بارتفاع نسب الفوائد، والعمولات، وآليات الاقتطاع من الرواتب المحدودة أصلًا. فالمطلوب اليوم دور حكومي أكثر حزمًا في تنظيم السوق المالي، وموازنة العلاقة بين حماية الاستقرار المصرفي وحماية المواطن من التغول المالي، بما يعزز الثقة ويحد من حالة الاحتقان الشعبي.
إن خطاب الإصلاح يظل مهمًا، لكنه يفقد أثره ما لم يُترجم إلى إجراءات تنفيذية واضحة، يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وتنعكس على مستوى معيشته وأمنه الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذه المرحلة الحساسة، فإن تعزيز صمود الناس ليس خيارًا إداريًا فحسب، بل هو واجب وطني وأخلاقي يستدعي تكامل الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية ومؤسسات المجتمع المدني.
ورغم كل شيء… يبقى هذا الشعب واقفا عزيزا شامخا يزرع أرضه ويذهب إلى عمله عبر الحاجز، ويعلم أبناءه رغم الضيق، ويتمسك بحقه في الحياة رغم القهر لذلك، فإن أي تحسن اقتصادي قريب لا يجب أن يقرأ فقط بلغة المال، بل بلغة الكرامة وتعزيز الصمود، وحق هذا الإنسان الفلسطيني في أن يعيش حياة تليق بتضحياته في دولة مستقلة ذات سيادة على أرضه ومقدراته.
*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية



