الكاتب : د بسام سعيد
المشاهد التي خرجت من بلدة بيت أمر في محافظة الخليل كانت قاسية ومؤلمة لكل من يملك ضميرًا حيًا . إطلاق الرصاص العشوائي، حرق البيوت الآمنة، وترويع الأطفال والنساء والشيوخ؛ كلها مظاهر لا يفترض أن تحدث إلا في مجتمعات متخلفة ومظلمة ، وتجاوزها التاريخ .
لكن المؤلم أكثر هو أن هذه الكارثة وقعت بيننا وأمام أعيننا، في مجتمع يتفاخر بالتعليم، ويحمل الشهادات، ويؤدي العبادات من صلاة وصيام وحج. فهل هذه هي مخرجات علمنا وعباداتنا؟ وأين أثر القيم التي نتغنى بها في سلوكنا اليومي؟
أنا على يقين أن ما حدث بدأ بحادث بسيط، لكن كما يُقال: "النار تأتي من مستصغر الشرر"، أو "مجنون ألقى حجرًا في البئر". غير أن تطور الأمور بهذا الشكل المأساوي يكشف خللًا عميقًا يتجاوز الحادث نفسه.
هذا الحدث يجب أن يكون بمثابة ضوء أحمر يدفع الجميع إلى التوقف أمام مسؤولياتهم. وهنا يبرز سؤال مؤلم: هل يمكن أن تُنسى العِشرة والمعروف بسبب لحظة غضب أو تصرف متهور؟ أولئك الذين تصارعوا هم جيران، كانوا يذهبون إلى الصلاة معًا، ويتبادلون الزيارات، ويأكلون "العيش والملح"، وربما تجمعهم علاقات مصاهرة. فكيف تحولت هذه الروابط إلى نار ودمار؟
ألم يقرأوا قوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، أو "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"؟ فأين ذهبت هذه القيم حين اشتعل الغضب وتحول إلى عنف أعمى؟
يبقى السؤال: من المسؤول؟ هل نلوم التجييش القبلي والعشائري الذي يؤجج الصراع ويضعف روح المجتمع المدني؟ أم نلوم غياب سيادة القانون وعدم تطبيقه بحزم وعدالة وصرامة ؟مع الإشارة إلى أن الشرطة الفلسطينية قد تدخلت وتعاملت مع الأحداث وفق الإمكانات المتاحة، وفي ظل واقع أمني معقد تعيشه الضفة الفلسطينية .
في الحقيقة، المسؤولية مشتركة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد. لكن المؤكد أن استمرار مثل هذه الأحداث يهدد نسيج المجتمع ويقوض أسس التعايش.
إن ما حدث ليس مجرد حادث عابر، بل إنذار حقيقي يستوجب مراجعة جادة لأنفسنا، أفرادًا ومؤسسات. فلا مجتمع يمكن أن يستمر إذا غلبت فيه لغة السلاح على لغة العقل، ولا يمكن أن تُصان الكرامة الإنسانية في ظل غياب القانون والوعي. المطلوب اليوم هو تغليب صوت الحكمة، وتعزيز قيم التسامح، وتطبيق العدالة دون تمييز، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، ويترك الأمر للفوضى والزعران والانتقام.



