الكاتب : عيسى قراقع
في زمنٍ يُقاس فيه فائض العالم بما يُلقى في القمامة، وبما يلقى من أطنان القنابل فوق رؤوس الناس في غزة ، وبما اصبحت عليه الأراضي الفلسطينية المحتلة من مكب لروث الاحتلال ومستوطناته وعربداته ورصاصه وبشاعته التي حولت التجويع إلى سلاح للابادة، يُقاس فقرنا الإنساني والسياسي بما نحن فيه، هنا في في هذا البلد التي تحولت إلى أكبر سجن في التاريخ البشري، والى اضخم فرن يصهر شعبا معلقا على الف حاجز عسكري، وعلى رغيف خبز معلق على حبل مشنقة.
سبعون عاملاً فلسطينياً يختبئون داخل حاوية نفايات، لا لأنهم فقدوا عقولهم، بل لأنهم لم يجدوا عملاً، ولا معبراً، ولا نافذةً غير فتحةٍ صدئة في جدار الاقتصاد المحاصر، هناك، بين بقايا الطعام وروائح العفن، أعادوا تعريف الجسد: لم يعد جسداً مواطناً، بل جسداً مُخفياً، قابلاً للطيّ، للضغط، للإلغاء.
منذ الساعة الثالثة فجرا يوم 14.4.2026 حملت مجموعة من العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة اكياسا من الطعام والمعلبات والخبز والملابس، وتحدوا الجوع والمخاطر وتكدسوا في حاوية زبالة، شاحنة حديدية مملوءة بالمياه الملوثة والروائح القذرة، من أجل الوصول إلى أعمالهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
القي القبض عليهم على إحدى الحواجز العسكرية، وقبل اعتقالهم والتنكيل بهم بتهمة التسلل بلا تصاريح، تركوهم ساعات طويلة داخل الحاوية المغلقة، لعلهم يختنقون، كي تصبح الشاحنة اكبر مقبرة جماعية للفقراء الباحثين عن لقمة العيش بين الحواجز والرصاص.
كان مشهدا قاسيا كفيلا أن يسقط حكومات وشعارات ويافطات ومناصب وخطابات، والكثير الكثير من المظاهر الاستعراضية والشكليات التي صارت قناعا لحرية موهومة، لا تستطيع الإجابة على سؤال واحد: كيف اعيش اليوم؟
سبعون صوتا لم يذهبوا لصناديق الاقتراع في انتخابات البلديات والمجالس المحلية، هذه الصناديق التي تحتوي اوراق فردية أو قبائيلة، وموائد عشائرية، لكنها لا تحتوي طعاما ولاحليبا للاطفال، ذهب العمال والمهمشون ليحفروا حفرة تحت الجدار العازل، أو يقفزوا عن السور العالي، أو يزحفوا من تحت الأسلاك الشائكة، أن يموتوا ويلاحقوا ويطاردوا ويسقطوا على جوع وخوف ودم وأمنية.
همسات داخل الحاوية المعتمة، متى نصل؟ لكن الحاوية متوقفة، اصوات بنادق وجنود، اكتظاظ واختناق، لاهواء، احلام تتشظى، حشرات على الجلد واوساخ ورطوبة لزجة، وكل عامل يفكر بعائلته وأولاده، سنصرخ، قال احدهم، لكن لا أحد يسمع عن شعب حشر في حاوية.
العمال الفلسطينيون ضحية المهرببن وكبار السماسرة، ضحية نظام اقتصاد القهر والتبعية وغياب الارادة، ضحية من اعتقد ان التنمية يمكن أن تستديم تحت بنادق الاحتلال، ضحية من حول الوطن إلى نظام تصاريح للعبور إلى ورشات العبودية، نظام تحول إلى عقاب جماعي وأداة تحكم سياسي، ضحية من أعاد تشكيل شروط الحياة من الورشة إلى الفرشة، من الصراع اليومي بين الهم الشخصي والهم الوطني، من مواطنين إلى متسللين بلا أي قيمة انسانية، يختزلون في حاوية أو سجن او شيئ قابل للتصفية.
مازالوا في بطن الحاوية، ساعات وساعات، الجائعون لا خيار أمامهم: بطالة عميقة مركبة تقتلهم ببطء أو رحلة في حاوية قمامة قد تقتلهم بسرعة، قلوب ترتجف، ما أطول زمن الحاوية، نفوس مقبوضة، ورائحة قذرة، الجنود والمستوطنون يتجمعون حول الحاوية، صيد ثمين، مسرح آخر للمتعة والفرجة.
الحاوية تسخن، الاستعمار يصهر الناس، منظومة متكاملة تتعامل مع الشعب الفلسطيني بأنهم ملوثين ووسخين وإرهابيين واعداء، الفلسطينيون يحتاجون إلى تنظيف لوعيهم إما بصابون الاحتلال أو بقنابل تفتتهم، لا بديل امامهم، جغرافيا مغلقة، تحويل الإنسان إلى كائن بيولوجي بلا هدف قومي أو سياسي، الحاجات الجسدية فقط كوسيلة للبقاء، تحويل الفلسطيني من مواطن له مشروع تحرر إلى مستهلك، لا يريد بندقية وانما تأشيرة عمل داخل المستوطنة الي أقيمت على ارضه.
حاوية النفايات تقول للفقراء: انتم تعيلون عوائلكم من نفس النظام الذي يستعمركم، حاضركم مسيج بالحديد والاسمنت، هذه الحاوية هي تعبير عن هذا السجن الذي يحرس الاسير نفسه بنفسه دون رقابة خارجية، خوفا من فقدان تصريح او كسرة خبز لأطفاله المنتظرين في المنزل.
رجال في الحاوية، زمن معلق، وكل عامل يستدعي تجربة، كان مشهدا مفجعا عندما هوى أحد العمال عن الجدار برصاصة في الراس، البحث عن الرزق ولقمة العيش بالعبور عبر الموت، طعام مغمس بالدم والمغامرة، المئات استشهدوا وعادوا جثثا معفرة بالتراب والحصى، ربما الحاوية صورة لوطن لم يعد فيه طرقا سالكة أو مفتوحة، جدار فاصل، اقتصاد ريعي، اغلاقات، معازل، بطالة مرتفعة، التنفس في الزبالة وفي زمن رأسمالية القرن الواحد والعشرين ينتح البشر كسلع، وعندما تفقد السلع صلاحيتها ترمى في حاويات التاريخ.
يسأل أحد العمال: هل اتفاقية باريس الاقتصادية نصت أن تتحول حياتنا إلى حياة عارية، اصمت يا صديقي، صوتك له رائحة، نحن في وعاء الآن وعلينا أن نفكر كيف نخرج بكرامة.
رجال في الحاوية، متلاصقون كأنهم يحاولون أن يحافظوا على دفء انسانيتهم في عالم بارد، من اوصلنا إلى هذه الحالة وحول الجغرافيا إلى مصيدة؟ لم نعد الان نملك ترف المسافة، نحن في صندوق معدني للقمامة، شبانا وفتيانا وكبارا في السن، جئنا من كل قرية ومدينة ومخيم، كل ما لفظه العالم هنا، نحن وأكياس الزبالة في مكان واحد، لملمنا السائق من كل هامش وزاوية، أصبح لدينا خبرة في التهريب وشبكات المرور المعقدة، كلما أغلقوا فجوة نبتدع اخرى، نريد أن نمر حتى ولو لقينا حتفنا.
رجال في الحاوية ليسوا عنوانا ادبيا لأدب القمامة تحت الاحتلال، هؤلاء الرجال ليسوا من أبناء رواية عناقيد الغضب، تلك العائلات الفقيرة من القوافل البشرية المحشورة في شاحنات متهالكة هاربة من ارض لم تعد تعترف بها، الفقر هناك ليس جوعا فقط، بل اقتلاع من الجذور.
الهواتف صامتة، عيون تتسع، الشاحنة صارت باردة، ديدان تقفز، كائنات حية أخرى تلسع الجلد، الرائحة تقتحم الصدور، الأجساد ترتجف، كل يمسك قلبه وينتظر ان يتمدد، والساعة تنكمش، لا احد يعرف أن كان يقترب من النهاية ام يغرق فيها، رجال الحاوية أدركوا أن هناك شيئا ينكسر في داخلهم، الفقر أصبح آلة طحن لا تتوقف.
رجال الحاوية ليسوا من أبناء رواية البؤساء المنتشرين في احياء باريس المظلمة، متكدسين في غرف رطبة، المكان الضيق يتحول الى قدر، محاصرون بنظام اجتماعي يجعل الفقر سجنا بلا قضبان.
رجال الحاوية ليسوا من أبناء أم مكسيم غوركي، الفقر زحام طبقي وعالم مضغوط تحت عقب حديدية أسفل السلم الاجتماعي.
رجال الحاوية ليسوا من عالم رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، عندما صار زمن اللجوء الفلسطيني حياة مؤجلة تحت شمس الصحراء الحامية.
ادب القمامة ليس تسمية ساخرة، بل تشخيص لمرحلة يكتب فيها النص من داخل حاوية، لغة تتنفس عبر شقوق الشفاه الناشفة، قصيدة من القاع بلا موسيقى وقافية، ادب لا يحمل القبح بل يكشف بنيته الاستعمارية، كيف وصلنا الى حال يجعل الإنسان يختبئ في حاوية نفايات؟ وكيف تتحول السياسات إلى روائح نتنة؟ وكيف يصير الحاجز جهازا لإعادة ترتيب البشر في سلم القيمة؟ من دفعنا إلى هذا الطريق الوسخ واغلق أمامنا كل الطرق النظيفة ؟
رجال في الحاوية: تجبر على العبور عبر بوابات القهر، يعاد تشكيلك من مناضل إلى ناج مؤقت، أن تدخل إلى اقتصاد عدوك وشروطه، أن لا تجد بديلا تنمويا ولا تشغيليا ولا حماية اجتماعية في ظل غلاء الاسعار وغياب دعم المنتجات الاساسية، ما أكثر الأغنياء والعقاريبن والمحتكرين والمكاتب والعمارات الشاهقة، لا احد ينظر تحت قدميه، لا احد يتمعن ماذا القى في الحاوية.
هذه ليست حادثة عابرة، إنها استعارة كثيفة لسياسةٍ كاملة، حين تُغلق المعابر وتُقفل الأبواب ويُمنع آلاف العمال من العمل كحق مشروع لهم، يصبح السوق حربا اخرى، ويصير الإنسان حمولة زائدة بلا معنى في اقتصاد تطويع البشر باسم السلام احيانا وباسم دولة مسيجة احيانا اخرى، وما بينهما تنمو طبقة سميكة ثرية متحالفة مع قطاع الطرق، يُطلب من الفقير أن يُهدر نفسه ويذل ويدفع كي يعبر، هكذا تتحول الحاوية من وعاءٍ للقمامة إلى معبرٍ غير شرعي، وخزانة لجبي الاموال العابرة، ومن مكانٍ للرمي إلى مكانٍ قبيح يبتلع الإنسان ودهشة الاسئلة،
رجال في الحاوية، هل يسمعنا احد؟ ربما جاء الصحفيون والمسؤولون واجتمعت هيئة الأمم المتحدة، سنخرج بعد قليل، اصوات خشنة في الخارج، كلاب وبنادق وهروات ، من يقول لهم أن من في الحاوية عمالا مسحوقين وليس قنبلة؟ لنا اطفالا واحلاما وزوجات، وأبناء يحتاجون إلى طعام ودفاتر للمدرسة، لنا اسماء خماسية وكواشين ميلاد وملامح وهوية، لسنا أرقاما ولا قمامة، الحاجة جعلتنا هنا، الحاجة إلى الحياة، كل الطرق مسدودة، الجميع يلفظنا، وما أكثر النقابات العمالية، وما أكثر من يتغنى باسمنا في كل المناسبات الوطنية.
رجال في الحاوية، وقد صارت الحاوية مؤسسة وليست وسيلة نقل فقط، أسوأ من الزنزانة، مصممة لاختزال الوجود الإنساني شعبا وقضية.
لم يبق جدرانا ندقها، كل الجدران اكلت من لحمنا، لم يبق أرضا نفلحها، كل الأراضي منهوبة ومصادرة، العرق يمتزج بالقلق، والانفاس تتصادم في فضاء ضيق في الحاوية، متى يكبوننا؟ سال احد العمال وهو يفتش عن كوة للنجاة، همسات دعاء ودموع جافة، رائحة جيفة وبراز وخشخشة فئران، صدى يتردد في الرؤوس يأتي من بعيد، الحاوية مقبرة، نحن خارج التاريخ الان، يقول أحد العمال، تعالوا نصرخ صرخة جماعية ونقلب المعادلة.
كيف صار الإنسان حمولة مشبوهة في حاوية قاذورات؟
حين انفتح بابها انسكبوا من فم وحش يبتلع المحظورات،
هي حكمة الجوع والشقاء،
أن تمسك الحياة متلبسة بالبقاء.



