الكاتب : يونس العموري
بنت جبيل… ليست مدينةً تُروى بالحروف، بل جرحٌ يتكلم، وذاكرةٌ تمشي على قدمين، ورايةٌ لا تنحني مهما اشتدت الرياح.
في جنوبٍ يلامسُ حدود النار، تربضُ هذه المدينة كأمٍّ تعرفُ جيدًا كيف تحمي أبناءها، حتى وإن احترق قلبها. هناك، حيثُ الحجارةُ تحفظُ أسماء الشهداء أكثر مما تحفظُ أسماء الشوارع، وحيثُ البيوتُ وإن تهدّمت، تبقى واقفةً في الذاكرة كأنها لم تُمسّ. بنت جبيل ليست مجرد جغرافيا، بل سيرةُ صمودٍ كُتبت بالدم، وتاريخٌ يتجدّد كلما حاول العدو أن يمحوه.
مرّت عليها آلةُ الحرب الإسرائيلية بوحشيتها المعهودة، فلم تجد سوى صدورٍ مفتوحةٍ للحياة، وقلوبٍ تعرف أن الأرض لا تُسلَّم، وأن التراب الذي رُوي بالدم لا يُشترى ولا يُباع. كانوا يظنون أن القصف يُخيف، وأن الركام يُنهي الحكاية، لكنهم لم يفهموا أن في بنت جبيل شيئًا لا يُقصف… روحًا عصيّة على الانكسار، وإيمانًا بأن الغد يُصنع من تحت الأنقاض.
هناك، في تلك المدينة التي بدت يومًا كأنها على حافة الغياب، وُلدت عبارةٌ صارت نشيدًا للكرامة: “أوهن من بيت العنكبوت”. لم تكن جملةً عابرة، بل كانت إعلانًا بأن القوة التي تتباهى بها الجيوش قد تتهاوى أمام إرادة شعبٍ قرر أن يبقى. كأن المدينة نفسها هي التي قالتها، لا بلسانٍ واحد، بل بكل حجرٍ فيها، بكل نافذةٍ محطمة، بكل أمٍّ تنتظر، وبكل طفلٍ تعلّم أن الخوف ليس قدرًا.
بنت جبيل، المدينة التي تعلّمت كيف تقاوم وهي تنزف، كيف تبتسم وهي تُحاصر، وكيف تُعيد بناء نفسها من ذاكرة الألم. كل زاويةٍ فيها تحكي قصة، وكل شارعٍ يحمل أثر خطوةٍ لمقاتلٍ مرّ من هناك، وكل بيتٍ يُخفي دعاءً صعد في ليلةٍ ثقيلةٍ ولم يعد.
هي ليست مدينةً تُهزم، لأن الهزيمة لا تجد طريقها إلى الأماكن التي تعرف معنى الانتماء. هي مدينةٌ تشبه الجنوب كله: صلبة كالصخر، دافئة كقلب أم، وعنيدة كحقٍ لا يموت.
وفي كل مرةٍ يحاول فيها الاحتلال أن يكتب نهايتها، تعود بنت جبيل لتكتب البداية من جديد… بدايةً لا تُشبه إلا نفسها، ولا تُشبه إلا شعبًا قرر أن يكون أقوى من الدمار، وأبقى من العدوان....
وكأنّ بنت جبيل لم تُخلق لتكون مدينةً عادية، بل لتكون امتحانًا دائمًا لمعنى البقاء. هناك، حيثُ تتكئ التلال على بعضها كأنها تتواصى بالصبر، وحيثُ الزيتون يمدّ جذوره عميقًا في الأرض كأنه يرفض الرحيل، تتشكّل الحكاية من جديد كل يوم.
في بنت جبيل، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالحصارات، ولا تُعدّ الأيام بالتواريخ، بل بالانتصارات الصغيرة التي تُراكم معنى الحياة. صباحاتها ليست كأي صباح؛ إنها تبدأ برائحة التراب المبلل بالدمع، وتمتدّ نحو أفقٍ يصرّ على أن يكون أزرق رغم كل الدخان. وأما لياليها، فهي ليست ظلامًا خالصًا، بل مساحاتٌ من الدعاء، وسهرُ أمهاتٍ يخبّئن الخوف في صدورهن كي لا يراه الأبناء.
كل حجرٍ في هذه المدينة شاهدٌ صامت، لكنه يحمل ذاكرةً تصرخ. الحيطان التي تكسّرت لم تسقط، بل تحوّلت إلى شهاداتٍ على أن الخراب لا يُنهي الحكاية، بل يفضح وحشية من يظن نفسه قادرًا على محوها. وكأنّ الركام في بنت جبيل ليس نهاية، بل بدايةُ شكلٍ جديدٍ للحياة، حياةٍ تنبت من بين الشقوق كما ينبت العشب بعد المطر.
هنا، لا يُنظر إلى الدمار كخسارةٍ مطلقة، بل كجزءٍ من معركةٍ أكبر، معركة الوجود نفسه. فالمدينة تعرف أن الاحتلال لا يستهدف الحجر فقط، بل الذاكرة، اللغة، الحلم، وحتى طريقة النظر إلى الغد. لكنها أيضًا تعرف، وبإصرارٍ لا يتزعزع، أن كل ما يُبنى على الحق لا ينهار، مهما اشتدت الضربات.
وفي قلب هذا كله، يبقى الإنسان هو الحكاية. ذلك الرجل الذي يعود إلى بيته المهدّم ليجلس على عتبةٍ لم تعد موجودة، وتلك المرأة التي تجمع ما تبقى من صورٍ وتعيد ترتيبها كأنها تعيد ترتيب العالم، وذلك الطفل الذي يلعب بين الأنقاض كأنه يعلن أن الحياة أقوى من كل شيء. هؤلاء هم بنت جبيل، وهم سرّها الذي لا يُكسر.
المدينة التي أعلنت يومًا أن العدو “أوهن من بيت العنكبوت” لم تكن تُطلق شعارًا، بل كانت تكشف حقيقةً عميقة: أن القوة ليست في السلاح وحده، بل في الإيمان بما تدافع عنه. وأن الاحتلال، مهما بدا متماسكًا، يبقى هشًّا أمام شعبٍ لا يرى في الأرض مجرد مساحة، بل يرى فيها هويته وامتداده وكرامته.
بنت جبيل لا تحكي عن نفسها كثيرًا، لأنها تعرف أن أفعالها أبلغ من الكلام. لكنها، في صمتها، تُعلّم العالم درسًا لا يُنسى: أن المدن التي تُحب الحياة لا تموت، وأن الشعوب التي تعرف حقها لا تُهزم، وأن الألم، مهما طال، لا يستطيع أن يسرق الضوء من العيون التي اعتادت أن ترى الفجر حتى في أشدّ العتمات.
وها هي، رغم كل شيء، ما زالت هناك… واقفةً على تخوم الجنوب، تحرس الحكاية، وتنتظر الغد بثقةٍ لا تشبه إلا يقينها. كأنها تقول، دون أن تنطق: نحن هنا… وسنبقى هنا، لأن الأرض تعرف أسماءنا، ولأننا نحن الذين نعطيها معناها.



